27‏/08‏/2012

أرشيفي السينمائي : اسطورة أيوب المصري تعود من جديد





"يا صبر أيوب"، كم مرة ضبطت نفسك متلبسا بنطق هذه العبارة؟......... كم مرة تمردت واعترضت ويأست فربت أحدهم على كتفك، وقال لك: الصبر مفتاح الفرج، هو إنت ولا أيوب؟
ولكن لايوب 3 قصص، الأولى في القرآن الكريم الذي يقص حكاية نبي الله ايوب، والبطل في القصة هو النبي الصابر على البلاء، والذي تمسك بما يؤمن به وثبت عليه، رغم ان البلاء استمر معه زمنا طويلا، ورغم ان البلاء استنفد ماله وجاهه واعوانه حتى بات وحيدا فقيرا لا حول له ولا قوة، إلا أن الله أكرمه على صبره وأعطاه الصحة في النهاية.
أما القصة الثانية فهي القصة الفلكولورية المصرية التي سجلتها الاذاعة المصرية في صورة اوبريت غنائي شهير كان يذاع كثيرا في الستينات، وكان البطل فيها ناعسة امرأة ايوب، وتدور القصة حول تفاصيل الحياة الجميلة التي كان يحياها ايوب المصري قبل مرضه، بما امتلكه من ضياع وبساتين ومال ودور وماشية واغنام ودجاج وعبيد واعوان. ولكن الحكاية الشعبية ركزت على ان ما كان لدى ايوب من اسباب الحياة الجميلة خاصة زوجته ناعسة.
اعطت الرواية لناعسة غير اسمها الدال على انها صاحبة عيون جميلة ناعسة، شعرا طويلا رائعا كان مثار حسد كل نساء البلدة، يتمنين لو انه لهن.
وحين تصل الرواية المصرية الى نقطة ذروة الدراما القرآنية في قصة ايوب بمرضه وضياع دوره وجاهه واعوانه، مع ثباته على ايمانه وصبره، ينتقل الراوي الشعبي الى ذروة درامية اعلى، حين تحمله زوجته الوفية في قفة على ظهرها وتتنقل به طلبا للعلاج والتداوي، ولا تتركه مثل بقية من كانوا عنده وتركوه.
وبعد ان اعيت السبل ناعسة لقضاء نفقات علاج جسد زوجها المقروح، بدأت تسأل الناس المساعدة. وهنا نصل الى ذروه اعلى واعلى في الدراما الشعبية! طالبت نساء القرية ناعسة ان تبيع شعرها لهن نظير ما تحتاجه من نقود لعلاج زوجها.
باعت ناعسة شعرها لتأتي بالعلاج الذي سوف يشفي زوجها من المرض... تخلت عن اجمل ما لديها لتأتي بنفقات علاج رجلها...الذي ينال شفائه عن طريق الحب.
أما القصة الثالثة فهي لأيوب المصري أيضاً، ولكنه ايوب العصر الحديث، الفنان سيد زيان، أحد أنبياء الضحكة في المسرح المصري، صاحب الاسلوب الخاص جدا في الأداء الصوتي والحركي، صاحب الصوت العذب الذي يشبه النيل عند جنادله الجنوبية في النوبة، والذي أصابته جلطة دماغية بشلل كامل لمدة تصل إلى سبع سنوات، وغزا الحزن كل ما يحيط به، معلنا إحتلاله لأحد معاقل السعادة في الحياة، لتتوقف الأقدام عن ممارسة تنفسها عبر المشي فوق خشبة المسرح، وتتوقف الروح عن ممارسة حبها الأزلي بالتمثيل والغناء.
ولا يجد صاحبنا هذه المرة ناعسته الخاصة، التي تبيع شعرها من آجل علاجه، بل وتتناثر الشائعات حول خلافات أسرية تطالب بميراث حي لم يمت.
ولأنه كان دوماً مختلف، حتى رفضه الكثيرون من النقاد في عصر تألقه في الثمانينيات والتسعينيات، فقد ابهر أطبائه حين عاد للوقوف على قدميه مرة أخرى، ونجح الضحك في زمن الربيع العربي في إستعادة أحد معاقله من الإحتلال الحزني البغيض، وعاد عم سيد زيان للحياة، سعيداً مبتسماً، حالماً بالوقوف مرة أخرى على خشبة المسرح الذي استوحشه.

ليست هناك تعليقات: