27‏/08‏/2012

أرشيفي السينمائي : اللقــــــــــــــاء الأخير

 أمام تلك المدخنة العتيقة التي ينبعث منها وهج الأخشاب المحترقة على إستحياء من ذلك البرد القارص، جلس الرجلان في مواجهة بعضهما البعض، الرجل الاشيب الأكبر سناً بدا أكثر هدوءً بوجهه البيضاوي وتلك الجبهة العريضة التي انحسر الشعر قليلاً عن مقدمتها، ليظهر تأثير الحاجبين على تلك العيون ذات النظرة الماكرة، وبدا الهدوء مفعماً يابثقة مع ارتفاع هذا الأنف الروماني قليلاً لأعلى، وأخذت يده اليمنى تتلاعب بهذا الشارب الهائل الذي أخفى تقريباً تلك الإبتسامة الساخرة على الوجه.
أما الرجل الثاني الذي أخذ يدخن غليونه بلا إنقطاع، حيث بدا التوتر واضحاً على وجهه النحيل، الذي شكل مع زيه وطريقته الشكل المثالي  لسيد إنجليزي من الطراز الفيكتوري، وعيناه الحادتان الدقيقتان ترمق الرجل الآخر أمامه بغضب، جعله يتحسس أنفه المعقوف في كل لحظة.
أشار الرجل الأكبر سناً بإبهامه إلى الشاب كاسراً الصمت : نعم قتلتك، واستجبت للضغوط وأعدتك للحياة، ولكني سوف اقتلك مرة أخرى، ذلك قراري ..أنا صنعتك وأنا أنهيك
انتفض الشاب من على مقعده، فسقطت منه عدسة مكبرة، لم يلتفت لسقوطها الذي أحدث صوتاً مدوياً، ولكنه اقترب من الرجل الأشيب مهددا : ستموت أنت وسأبقى أنا، هذه سنة الحياة، أنا الأهم، أنا الأكثر شهرة.
انشغل الرجل الأشيب بمتابعة تلك الآثار المبللة التي تركها حذاء الشاب على سجادته الفاخرة، وقال بإهمال متعمد : كالعادة لم تجفف قدميك جيداً عند الباب.
زاد إنفعال الشاب لذلك التجاهل المتعمد فأعطاه ظهره مردداً كمن يلقي شيئاً حفظه : لقد حصلت على لقب "سير" بسببي وبفضلي، لقد أنقذتك من فشلك كطبيب، بعد 8 سنوات قضيتها في الفشل، أنا من أعدت إحيائك..أنا شارلوك هولمز.
ابتسم  آرثر كونان دويل على أثر العبارة الأخيرة، ونهض متثاقلاً تجاه المدفأة ليمد يديه طلباً للمزيد من الدفأ، قبل أن يقول بصوت رخيم: منذ صنعتك في قصة  "الغرقة ذات اللون القرمزي" وحتى قتلتك في قصة "قضية شارلوك هولمز"، ثم أعدتك للحياة بناء على رغبة الجماهير، وأنا أعرف أنك ستنقلب علي، لذلك سأدعك تعيش عالمك، وليتلاعب بك مخرجو السينما ألاف المرات، ويهزئون منك، ويصنعون منك بطلاً أو وغداً، بينما سأتفرغ أنا لهوايني الآثيرة.
قاطعه الشاب مبتسما سعيداً بإنتصاره : صيد الحيتان، ستعاود صيد الحيتان سيدي "السير"
ابتسم كلاً منهما للآخر، إبتسامة باهتة حملت من الكراهية أكثر من الصفاء، وتصافحا، قبل أن يغادر الشاب قصر المؤلف، لينتهي اللقاء الأخير بين الكاتب الكبير آرثر كونان دويل مبتكر شخصية شارلوك هولمز، وشخصيته المبتكرة التي فاقته شهرة، وعاشت بينما رحل هو.

ليست هناك تعليقات: