27‏/12‏/2013

سأخبر الله بكل شيء

يهرع سريعا بمجرد سماع صوت انفجار دانات المدافع التي أخذت تنتشر في حيه السكني، يصرخ في خوف شديد بحثا عن أمه، يدخل غرف المنزل الواحدة بعد الأخرى، وما من مجيب.
تختلط دموعه بحبات عرقه التي سالت رغما عن برد الشتاء، يرتجف من الخوف والبرد في ان واحد، ويعجز صراخه عن الارتفاع عن صوت الانفجارات.
يغادر الشقة مسرعا كما علمه والده الراحل قبل وفاته متأثرا بانفجار مشابه، يتعثر في السلم ويسقط على راسه.
يصرخ مجددا من الألم، ينهض رغما عنه، ويختلط الدم بذلك الخليط من الدموع والعرق.
يرتجف اكثر فاكثر رغم الجري بأقصى سرعة لديه.
يردد دون وعي أسماء والدته وأخوته ووالده الذي رحل، ولا تدوي في أذنه سوى أصوات الانفجارات.
تختل الرؤيا مع قسوة الفزع، وذلك اللهاث الذي أخذ يسحب انفاسه من كثرة الركض.
يقف للحظة، تخترق صدره شاظية فيسقط على الأرض مكانه.
يتنفس بعمق للمرة الأولى ويخفت صوت الانفجارات، يشير لعابر قائلا وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة رغم سنوات عمره التي لم تتخطى 10 سنوات
- سأخبر الله بكل شيء

16‏/12‏/2013

أرشيفي الفني .. ما يروى عن «مازنجر» و«جرندايزر» قبل ظهور «أوميجا»

كان الفنان "جو ناجاي" سعيدا بنجاح "مازنجر" في اليابان، كان يكسر تابوهات كل قواعد فنون الطفل بأول شخصية من شخصيات السوبر روبوت بقيادة الشاب الغاضب دائما "كوجي" الذي حارب Dr.Hell  الشهير بأبي الغضب ورجاله الفضائيين - خالصو الشر - الذي هاجموا اليابان - وكأنه ينتقم من جيوش الحلفاء التي ضربت بلاده بالقنابل النووية- ، وخلال  92 حلقة بثتها شبكة "فوجي تيليفجن" اليابانية في اليابان في الفترة من ديسمبر 1972م حتى سبتمبر 1974م، خاض "مازنجر" معاركه منتصرا رغم عجزه عن الطيران، ومع نهاية حلقاته قدم صانعه فيلما بعنوان "جريت مازنجر" قدم فيه السوبر روبوت الجديد الذي يقوده "تتسويا كابوتو" (أخ كوجي بالتبني) و قدم فيه أبو "كوجي" الدكتور "كابوتو" الذي اخترع "الجريت مازنجر" من معدن اقوي، والذي يحارب جماعة من  الأشرار تنتمي إلى العالم السفلي، والذين يريدون أيضا السيطرة على العالم بقياده "اشورا دانشوكن" (جنرال الظلام العظيم)، وسافر "كوجي" إلى الولايات المتحدة للدراسة في "ناسا"، وتم وضع "مازنجر" في المتحف الوطني تكريما له ولصانعه.

ثم يقدم "جو ناجاي" مسلسله الثاني "جرندايزر" والذي تدور قصته حول  "يوفو" الآلي العملاق الذي يقوده "دوق فليد"، أمير كوكب فليد الذى دمرته قوات نجم فيجا المتحالفة (لاحظ تشابه هذا التحالف مع الحلفاء الذين دمروا اليابان في الحرب العالمية الثانية)، ثم  يهرب دوق فليد بآلته جريندايزر إلى كوكب الأرض، وهناك يتبناه الدكتور آمون مدير مركز أبحاث الفضاء ويعطيه اسم دايسكي، ثم يأتي الدور على كوكب الأرض لتغزوه قوات فيجا، ويصبح على "جريندايزر" التصدي لهم، تتطور الحلقات شيئا فشيئا ويكبر فريق "جريندايزر"، حيث يساعده في الحرب كل من "كوجي" بطل السلسلة السابقة وقائد "مازنجر" الذي عاد من الولايات المتحدة، و"كابوتو" و"هيكارو ماكيبا" وأخته "ماريا" التي يتضح فيما بعد أنها استطاعت الهرب من "فليد" قبل دماره، ويقود كل منهم سلاحا طائرا من ابتكار الدكتور آمون.

يطور "جو ناجاي" شخصية أشراره هذه المرة، فنرى للمرة الأولى جوانيا طيبة فيهم، "فيجا" الكبير يحب ابنته "روبينا" ويظهر أبوة حنونة تجاهها، والقائد "جندال" كان وفيا ومخلصا لقائده "فيجا "الكبير  وقتل نصفه الأنثوي بعدما تأكد من خيانته، وأبدى الوزير "زوريل" حزنا عميقا على ابنه "زوريل" الصغير، وكان القائد "جوس" يذكر باستمرار اخته وأزهار وطنه.

لكن المسلسل الذي تم عرض 74 حلقة منه لم يلاقي نجاحا يذكر في وطنه الأم في اليابان، رفض الأطفال اليابانيون أن يشاهدوا بطلهم "كوجي" ابن بلادهم يؤدي دورا ثانيا خلف "دايسكي" ابن الفضاء، فقام الشركة المنتجة بدبلجة المسلسل إلى باقي اللغات وتم حذف الارتباط بين "مازنجر" و"جريندايزر" وتم تقديم "جريندايزر" كمسلسل منفصل لا وجود فيه لشخصية "مازنجر" داخل المتحف الوطني، وباللغة العربية في لبنان تم دبلجة المسلسل ليحصل فيه "كوجي" على اسم ماهر ، لهذا ظن الكثيرون أن "مازنجر"  مجرد تقليد لجريندايزر، بل وظهر بعده لأنه عرض في الوطن العربي بعد نجاح "جرندايزر" رغم أنه أنتج قبله.

اللطيف أن صناع المسلسل وعلى رأسهم "جو ناجاي" صنعوا حلقة خاصة، يستولي فيها الأشرار على "مازنجر" من المتحف ويحاربون به "جرندايزر"، لكن إصرار المستوردين والانتاج على فصل المسلسلين عن بعض منع المشاهدين العرب من مشاهدة تلك الحلقة حينها.

ليبقى كلا من "مازنجر" و"جرندايزر" ابطالا لن تنسى في ذاكرة أطفال السبعينات والثمانينات، قبل أن يظهر الفريق "أوميجا" ذو السيف الأحمر عام 2013.

أرشيفي الفني .. عادل إمام الذي لا يعرفونه

يعاني مثقفو مصر من حساسية شديدة تجاه كل فن أو فنان تحبه الجموع وترى فيه فنانا يعبر عنها ويقدم فنا يمثلها، ويعتبرون هذا mainsteream سيء السمعة لا يليق بثقافتهم وانفصالهمعن مجتمعهم، هذا تقريبا ماحدث مع الفنان عادل إمام، صاحب التجربة الإنسانية والفنية الفريدة في الصعود من القاع للقمة والاحتفاظ بالقمة لسنوات طويلة، الذي اعتبره المثقفون - خاصة بعد مواقفه السياسية - فنانا بلا قيمة وعشقه العالم العربي ونصبه زعيما فنيا لا ينازعه أحد على عرشه، وحيث أنه لا زعامة في الفن ولا نجاح واستمرارية بلا موهبة يبقى مشوار عادل إمام حلا للغز الخلاف.
****
"أن تقضي طفولتك في حي السيدة زينب في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، فلابد أنك مع التحول الرهيب في مصر في هذه الفترة ستكتسب كل مؤهلات ابن البلد الحقيقي".. لا يمكن لفنان قضى طفولته وشبابه في أحد أعرق الأحياء الشعبية ألا يستطيع معرفة المزاج الشعبي العام، ويدرك من خلال ثقافته الذاتية كيفية تحقيقه وهو ما بدا واضحا في مسيرة عادل إمام، الذي قدم في السبعينيات ما فرضه عليه المنتجون خلال مرحلة الوصول إلى القمة، مستغلا قدرته اللامحدودة على الإضحاك في عصر الانفتاح حين كان الضحك للضحك وسيلة وغاية، وفي ثمانينيات القرن الماضي وبعد الغزو السينمائي الأمريكي عقب "كامب ديفيد" قدم إمام مجموعة من أفلام الحركة راسما للشعب المتلهف على بطل صورة البطل الشعبي الذي يستطيع الوصول إلى حقه عن طريق قبضة يده، منافسا نجوم أفلام الحركة في هوليوود  مثل "سيلفستر ستالوني" و"فان دام"، لم يهتم ساعتها عادل إمام بأن يصنع لنفسه جسدا يشبه أجساد أبطال أفلام الحركة الأمريكان أمام شعب كان أقصى طموحه في تلك المرحلة هو الخروج من "عنق الزجاجة" اقتصاديا، فقط كان هذا الشاب القصير خفيف الدم صاحب النظرة المعبرة للغاية بجسده النحيل غريب التكوين ممثلا عن ملايين الشباب الذين كانوا لا يتوقفون عن التصفيق له كلما انتصر في معركة من معاركه على أعدائه الأشرار الذين يسلبون حقه، كان عادل إمام تفريغا حقيقا لغضب الأغلبية الداخلي.
****
ويبقى الأكثر غرابة على الإطلاق أن يقدم عادل إمام افلاما مثل "الحب في الزنزانة" و"الحريف" و"حتى لا يطير الدخان" خلال الفترة ذاتها، وهي أفلام هامة في التاريخ السينمائي المصري والعربي ككل، ظهرت فيها موهبة عادل إمام التمثيلية في أبهى صورها، دون الحاجة لممارسة الألعاب الجماهيرية المحببة، وينتمي عادل إلى مدرسة تمثيلية خاصة تستخدم تعبيرات ملامح الوجه في توصيل أدق التفاصيل للمشاهد، ولا ينكر أحد أنه ناظر تلك المدرسة واستاذها، حيث يملك إمام قدرة غير عادية على تحريك ملامح وجهه والتعبير بها عن كل الحالات في سلاسة ويسر مبهرين.
كذلك قدم عادل إمام في التسعينيات مجموعة من أهم أفلامه وهي "الإرهاب والكباب" و"المنسي" و"الإرهابي" و"طيور الظلام"وسبقهم بـ"اللعب مع الكبار" في تحد واضح لنمط السينما التي كانت تلفظ أنفاسها خلال العقد الأخير من القرن الماضي من خلال اكتساح افلام الحركة والمخدرات والإغتصاب للسينما، لعب مع كاتبه المفضل وقتها وحيد حامد والمخرج شريف عرفة على تشريح الكجنمع المصري زأزماته الإجتماعية والسياسية، وكان نجاحه تجاريا إشارة إلى فنان يعرف طريقه جيدا، ومازال قادرا على قراءة المزاج الشعبي جيدا.
****
مع بداية الألفية الجديدة، واكتساح المضحكين الجدد، كان عادل إمام الذي روج البعض إلى نهايته يعرف - كالعادة - طريقه جيدا، وبقدرته غير العادية على قراءة المزاج الشعبي وإدراك المرحلة العمرية التي وصل إليها قدم مجموعة من أجمل افلامه الكوميدية من خلال دور الاب مثل "التجربة الدنماركية" و"عريس من جهة أمنية"، و"مرجان أحمد مرجان" ونجح من خلالها في مواجهة نجوم الجيل الجديد الذين تساقطوا واحدا بعد الأخر دون أي استمرارية.
وكان الفشل الذي واجه إمام في فيلم "بوبوس" علامة جديدة على أن البطل مازال قادرا على قراءة المزاج، ودون عناد أو مكابرة، نقل غايته وطريقه إلى الدراما التليفزيونية محققا نجاحات أخرى، بعد أن توقف عن تقديم السينما والمسرح الذي كسر فيه كل الأرقام القياسية باستمرار عروضه لسنوات طويلة.
*****
"إثارة الخلاف حولك .. في حد ذاته موهبة إن لم يكن مصطنعا"... لهذا يبقى هذا الشاب الذي لفت أنظار أستاذ الكوميديا الراحل فؤاد المهندس وعمل معه ومن خلال مسرحه، ثم قبل بعدها أن يعمل معه الكبير في أدوار ثانية، حالة فنية مختلفة ورائعة، ويبقى كذلك إحدى حلقات مسبحة الكوميديا الجميلة بعد نجيب الريحاني وعلي الكسار وإسماعيل ياسين وفؤاد المهندس وعبدالمنعم مدبولي، تراكا علامات على الطريق لا ينكرها محق، وتقول الاسطورة  أن البقاء على القمة يقتل، لكن فنانا بحجم وموهبة عادل إمام انتصر على تلك الأسطورة وبقى حيا ضاحكا مضحكا، وفنانا رائعا بعيدا تماما عن أي تقييم سياسي أو شخصي لفنان علاقة الجمهور به يجب ألا تتعدى الشاشة.

أرشيفي الفني ..حمزة علاء الدين..الموسيقي الذي سكن النغم

قد يروي التاريخ بعد 100 عام من الأن أن قلب النوبة الذي شكن مصر دُفن في تلال ضاحية "نافاتو"- Navato ، إحدى الأطراف الشمالية في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا في عام 2006، حيث دفن حمزة علاء الدين قلب السلم الخماسي النابض.
ذلك المزمار النوبي الذي اخترق العالمية بالفعل بموسيقاه عندما طرحت له شركة "Vanguard"، إحدى كبريات شركات الإنتاج الموسيقي أول إصداراته بعنوان "موسيقى النوبة" عام 1965، ثم أسطوانته الثانية باسم "إسكاليه" أي "الساقية" بالنوبية عام 1971، ويضع الموسيقى التصويريّة لعدد من الأفلام الأمريكيّة أهمّها فيلم “The Black Stallion” للمخرج فرانسيس فورد كوبولا عام 1979.
*****
في توشكى حيث تتراص البيوت البيضاء المكونة من دور واحد على مسافات متقاربة وليست حميمية، حيث تستطيع الشمس مداعبة كل غرفات المنزل الفسيح، ولا تتلصص العيون بقدر المسموح نشأ حمزة طفلا وخاض مراهقته في النوبة القديمة بكل تراثها الثقافي والموسيقي، لكنه دائما ما وجد نفسه منجذبا إلى آلتي العود والطار النوبية، وكأنه لم ينس أبداً أن صوت تلك الألات هو الوحيد الذي بقى في خلفية غرق قريته عام 60، حين غادرها مع أسرته بعد انشاء السد العالي.
رحلت الذكريات والمشاهد، ودفء الأمكنة وبقيت النغمات تحمل في أثيرها عبق ذكرياته.
وفي القاهرة حين جاء حمزة علاء الدين إلى القاهرة لدراسة هندسة الكهرباء بجامعة الملك فؤاد (القاهرة حاليا) ليعمل بعدها بسكك حديد مصر، بدأ دراسة الموشحات في معهد إبراهيم شفيق للموسيقى ثم ألتحق بعده بمعهد الملك فؤاد للموسيقى الشرقية (معهد الموسيقى العربية الآن) لدراسة آلة العود والموسيقى العربي، كان وجوده في سكك حديد مصر إشارة لاعتياد السفر وكسر حدته لدى من تعلق في بالأرض وكره الغربة، وكانت هجرته الأولى من أجل سد عالي قد كسرت سدا قديما لدى روحه بالتمسك بالأرض.
وفي أول فرصة لدراسة الموسيقى وسكنى أرضه من جديد خلال نغمات السلم الخماسي سافر حمزة علاء الدين إلى إيطاليا، للدراسة في أكاديمية سانت سيسيليا بروما، والتي حصل بعدها على منحة لدراسة الموسيقى الغربية في الولايات المتحدة الأمريكية.
*****
كان حمزة علاء الدين يعود إلى الوطن كلما احتضن الدّف (الطار) النوبيّ، وربما كان الطار نفسه يسكن وطنه عندما تلامسه يدا حمزة فتخرج منه الأصوات المتفرّدة التي تصدر من القرع على مختلف أقطاره الدائرية، ليكسر رتابة كونه مجرد ألة إيقاع، مؤكدا أنه عندما تتداخل إيقاعاته الثلاث الأساسيّة (يقوم الغناء النوبي على إيقاع ثلاثة دفوف) يخرج جملاً موسيقيّة كاملة ذات نفاذ وتطريب عاليين، وبالذات على يد المغني الأوّل الذي تتكئ موهبته الغنائيّة، إلى جانب قوّة صوته، على تمرّسه وقدراته على تطويع كفه وأنامله في القرع على الجلد المشدود، ثم أسلوبه في معالجته للطّار.
كان النوبي العاشق يعمل أستاذاً للموسيقى بجامعة أوستن بولاية تكساس، وكان شاغله الشغل الغوص في كل مقامات الموسيقى العربية ومتابعة جديدها وقديمها للخروج بتفاصيل الموسيقى المصرية الاصيلة التي صنعها الأجداد، وفى الثمانينيات أقام حمزة لفترة في اليابان حيث كان قد حصل على منحة دراسية لدراسة أوجه الشبه بين آلة العود الشرقية وآلة بيوا اليابانية وهى آلة تشبه العود، حيث التقى بزوجته اليابانيّة التي اتخذت الاسم النوبي الشهير "نبرا" (وتعني الذهب الخام بالنوبيّة)، وهي موسيقيّة قاسمته حياته حتى وفاته...فقط في كل مرة لم تهمه أرض السكن، كانت موسيقاه وطنا يحميه من الشجن.

 *****
يقول المختصون أن أعظم ما تركه لنا حمزة علاء الدين، فضلاً عن إبداعاته الفنيّة المتمثّلة في أعماله الموسيقيّة والغنائيّة، هو أن الإيقاعات النوبية ومعظم الفولكلور الغنائي النوبي صارتا معلماً بارزاً في علم الموسيقى الأثني، وهي مدونة في "Note" موسيقيّة علميّة ضمن مناهج التدريس في مختلف المعاهد الموسيقيّة والجامعات العالميّة، إضافة إلى الرقصة النوبيّة الجماعيّة المعروفة بـ"أولن أراقيد" .
إلا أن عاشق الفن الذي عمل يوما كومبارسا ضمن مجاميع فيلم "كليوباترا" الشهير (1963) بروما فقط من اجل الفن، والذي ترك لنا 14 أسطوانةً، كانت حياته سيمفونية موسيقية خاصة، وهو الذي يبدأ يومه صباحا عقب الإفطار بارتجال موسيقى "الجاز" بحثا عن السعادة.
وحين عاد إلى مصر في زيارته الأخيرة عام 2000 لحضور ندوة في دار الأوبرا، لم يستشعر الفنان النوبي متعة العودة للوطن، فقط أنهى مهمته وعاد مرة أخرى للولايات المتحدة لسكنى الطار والعود، ونغمات السلم الخماسي، وإلتهام أكبر قدر ممكن من الموسيقى التي تملأ روحه، بنفس الروح الصوفية التي ورثها من أجداده الصوفيين.
وقبل الرحيل حين اشتد الخلاف حول جنسيته قالها: "أنا نوبي في المقام الأوّل، ولكنّني أيضاً مصريّ سودانيّ بذات القدر والمقام، وإيطالي أمريكي ياباني بسبب أنني عشت في كل هذه البلاد. لقد كنت موسيقيّاً نوبيّاً أعزف وأغني لأهلي النوبيين، وإلى الآن ما زلت ذلك الموسيقي النوبي الذي يعزف ذات الأنغام والترانيم الموسيقيّة للعالم أجمع".
رحل حمزة ودفن جسده في الولايات المتحدة وبقيت روحه نغمة نوبية صارخة راقصة تدور العالم بحثا عن الوطن.



30‏/11‏/2013

أرشيفي الصحفي .. الفن...هبة الله للإنسان

خلق الله الملائكة كائنات نورانية، مُكلفة بالعبادة وتنفيذ ما أمرها الله به، وخلق الحيوانات كائنات غير عاقلة تسعى في الأرض باحثة عن رزقها، وما بين الملاك والحيوان خلق الرب الإنسان ليعبده ويسعى في الأرض، مُكلفًا وحُرًا، ووضع فيه «المبدع الأعظم» لمسته الإبداعية ليميزه عن كل المخلوقات، كما قال تعالى {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}.

كانت قدرة الإنسان على الإبداع حدًا فاصلًا بينه وبين غيره من المخلوقات، ترك فيه الخالق بضعًا من روحه عبر تلك النفخة التي نفخها في آدم، وما تميز آدم عن الملائكة وأُمروا بالسجود له إلا بتلك الخاصية {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء}.

علّم الله الإنسان بذاته الإلهية، والعلم إبداع ثم أورثه الأرض من بعد ذلك.

*****

ومع تطور الحياة على الأرض، كان الفن ابنًا شرعيًا للإبداع، ذلك النتاج المبهر للإنسانية منذ قرر أحدهم يومًا ما أن يرسم ما رآه على جدران أحد الكهوف.

ربما لا نعلم ما تلى هذا من أحداث، لكننا متأكدون أن حينها خلق الله الدهشة ونظرة الانبهار في عيون البشر، حين رأوا رفيقهم ابن آدم يُخرج بعضًا من روح الله على هيئة فن.

ومع تطور الحياة البشرية عبر آلاف السنين، علّمت الطبيعة الإنسان الموسيقى، فتفوق عليها وأبدع عبر آلاته الخاصة موسيقاه العظيمة، ومن فن إلى آخر، ارتقت روح الإنسان وسمت وتعالت، وكأن الإبداع يقربه من السماء موطنه الأصلي بعيدًا عن الأرض.

الفن يعيد للإنسان إنسانيته ويبعده عن مجرد البشرية التي تنتمي طبقًا للتسلسل الطبيعي للحيوانية.

مواطن الأرض لا يعرف التحليق مثل الملائكة إلا عندما يُبدع.

*****

ومع ظهور الفن السابع في نهاية القرن التاسع عشر، كانت عجلة التطور قد بلغت أقصى سرعة لها، فصنع الإنسان في آخر مائة عام ما لم يصنعه منذ بدء الخليقة، وصنع في آخر عشر سنوات ما لم يصنعه في المائة عام، تخطى الإبداع الحدود.

ولأن البعض في أوروبا قرر هجران كنيسته واللجوء للفن، حمل الفن على أكتافه ما لم يخلق له، تحول الفن لدى البعض إلى دين، ومن ثم تحمل جميع تبعات القبح الذي يحمله المتشددون في كل دين لدينهم، وظهر الفن منهارًا من خلال مجموعات غرائبية في الفنون من الرسم التشكيلي إلى الموسيقى إلى السينما وما إلى ذلك.

بينما دخلت الفنون في منطقتنا العربية نفقًا مظلمًا عبر مجموعة أخرى من المتشددين دينيًا الذين رأوا الإبداع حراماً، خاصة وهم يُحرّمون التفكير.

حرّموا ما أباح الله، خاصموا موسيقى الطبيعة، كرهوا ألوانها، وتبعهم البعض، متغافلين عن عمد فريضة إعمال العقل، تلك الفريضة الغائبة وأن الفن يسمو بالأرواح.

ولأن الفن مرآة لعصره، ولأننا نحيا عصورًا ظلامية جديدة رغم التطور الهائل، كان طبيعيًا أن يشبه الفن مجتمعه ويعبر عنه.

لا شك أن الفن هو لمسة وهبة إلهية لبني الإنسان، يفقد بدونها إنسانيته رويدًا رويدًا، وأنه لا تعريف محدد لقيمته كفن هابط أو راقٍ، فقط تتفاوت نعمة الدهشة من إنسان لآخر، فالله سبحانه وتعالى  يرزق من يشاء بغير حساب، والتذوق الفني رزق قسّم فيه الله الناس درجات.

الفنون ارتقاء للمجتمع والذي يقضي على الكثير من المشكلات التي لا تواجهها المجتمعات الراقية بفعل التحضر.

أرشيفي الصحفي .. محمد صديق المنشاوي.. الشيخ الثائر يرتل بـ«النهاوند»

يغادر الوزير سيارته بعد إجراءات التأمين المشددة، يعيد ضبط رابطة عنقه، ويعدل من وضع نظارته الشمسية قبل أن يخلعها وهو يستعد لدخول مسجد الزمالك، يخلع حذاءه ويتجه مباشرة إلى شيخ المسجد محمد صديق المنشاوى الذى أنهى صلاته واستقبل الوزير مرحباً، شد الوزير من قامته وقال: «سيكون لك الشرف الكبير بحضورك حفلاً يحضره الرئيس عبد الناصر»، ففاجأه الشيخ محمد بقوله: «ولماذا لا يكون هذا الشرف لعبدالناصر نفسه أن يستمع إلى القرآن بصوت محمد صديق المنشاوى»، ورفض أن يلبى الدعوة.

محمد صديق المنشاوى ولد فى قرية المنشاة التابعة لمحافظة سوهاج عام 1920، وأتم حفظ القرآن فى الثامنة من عمره، فاصطحبه عمه الشيخ أحمد السيد معه إلى القاهرة ليتعلم القراءات وعلوم القرآن، ونزل فى ضيافته، وعند بلوغه الثانية عشرة درس علم القراءات على يد الشيخ محمد مسعود وأتقنه، ليصبح محمد الصغير شبيها لوالده الشيخ الكبير صديق المنشاوى الذى ورث حلاوة الصوت والتفرد فى طريقة التلاوة وأحكام القراءة عنه.

المقرئون يتنافسون للاختبار فى الإذاعة، بينما يرفض الشيخ محمد أن يختبره أحد، ترسل له الإذاعة أكثر من إخطار ليوافيها، ليتم اعتماده رسمياً، يواصل الرفض، فترسل له وحدة تسجيل لتسجل له كى يعرض التسجيل على اللجنة، فى سابقة لم ولن تحدث فى تاريخ الإذاعة، ولكن اللجنة ترفض التسجيل وبعد عناء يوافق الشيخ على الاختبار.

اعتاد دائماً المواجهة بروح مقاتل قلما تتواجد مع هذا الحس المرهف فى القراءة، لذلك عندما أشاع البعض ضعف صوته، أصر بعد تعطل الميكروفون فى إحدى السرادقات على أن يقرأ بين الناس ماشياً على قدميه تاركاً دكة القراءة والناس تتجاوب معه حتى بهر الناس بقوة صوته.

وعندما عرض عليه أحد الموسيقيين الكبار فى فترة الستينيات أن يلحن له القرآن قائلاً له: يا شيخ، أنت الصوت الوحيد الذى يقبل الموسيقى فى القرآن، قال له: يا سيدى لقد أخذت الموسيقى من القرآن فكيف تلحن أنت القرآن بالموسيقى فخجل الرجل من نفسه.

وقد اعتمدت مدرسة «المنشاوية» التى ينتمى إليها الشيخ محمد ووالده وأخوه على مذهب «النهاوند»، وكان الشيخ عاشقاً صوت أم كلثوم، ويقول إن فى صوتها قوة رقيقة ونغماً موسيقياً، كذلك كان يعشق صوت الشيخ طه الفشنى وبخاصة أداؤه الرفيع فى الابتهالات والتواشيح الدينية. زار العديد من البلاد العربية والإسلامية وحظى بتكريم بعضها، حيث منحته سوريا وسام الاستحقاق من الدرجة الثانية عام 1956م، كما منحته إندونيسيا وساما رفيعاً فى منتصف الخمسينيات، وزار باكستان، والأردن، وليبيا، والجزائر، والكويت، والعراق، والسعودية وقد ترك الشيخ أكثر من مائة وخمسين تسجيلاً بإذاعة جمهورية مصر العربية والإذاعات الأخرى، كما سجل ختمة قرآنية مرتلة كاملة تذاع بإذاعة القرآن الكريم وتلاوته، تزوج مرتين أنجب من زوجته الأولى أربعة أولاد وبنتين، ومن الثانية خمسة أولاد وأربع بنات، وقد توفيت زوجته الثانية وهى تؤدى مناسك الحج قبل وفاته بعام. وفى عام 1966 أصيب بمرض دوالى المرىء ورغم مرضه ظل يقرأ القرآن حتى توفى - رحمة الله عليه- فى يوم الجمعة 20 يونيو 1969م.

نعاه الشيخ الشعراوى، وقال عنه: «إنه يركب مركباً ويبحر فى بحر القرآن الكريم ولن يتوقف هذا المركب عن الإبحار حتى يرث اللهـ سبحانه وتعالىـ الأرض ومن عليها».

 

أرشيفي الصحفي .. الشيخ محمد الهلباوي.. بشارة ذي النون المصري

قال يوسف بن الحسين الرازى: «حضرت ذا النون، فقيل له: يا أبا الفيض، ما كان سبب توبتك؟ قال: نمت فى الصحراء، ففتحت عينى فإذا قنبرة عمياء سقطت من وكر، فانشقت الأرض، فخرج منها سُكُرُّجَتان ذهب وفضة، فى إحداهما سمسم، وفى الأخرى ماء، فأكلت وشربت. فقلت: حسبى، فتبت ولزمت الباب إلى أن قبلنى».

كان ذو النون المصرى، ثوبان بن إبراهيم، أحد أعلام التصوف فى القرن الثالث الهجرى، ومن المحدثين الفقهاء، ولد فى أخميم فى مصر سنة 179 هـ الموافق 796م، وتوفى سنة 245 هـ الموافق 859م.

وربما كان شيخنا محمد الهلباوى تمام كلمته، ذلك الطفل المولود فى باب الشعرية فى القاهرة يوم 2 سبتمبر 1946، والذى حفظ القرآن كاملاً على يدى جده وسميه الشيخ محمد الهلباوى الذى كان شيخا بقرية «ميت كنانة» فى محافظة القليوبية، قبل أن يحصل على إجازة التجويد من الأزهر الشريف.

قال ذو النون المصرى: «الاستغفار جامع لمعان، أولها: الندم على ما مضى. الثانى: العزم على الترك. الثالث: أداء ما ضيعت من فرض لله. الرابع: رد المظالم فى الأموال والأعراض والمصالحة عليها. الخامس: إذابة كل لحم ودم نبت على الحرام. السادس: ذوق ألم الطاعة كما وجدت حلاوة المعصية».

كانت تلك الكلمات التى يرددها محمد الهلباوى أثناء التحاقه بمعهد الموسيقى العربية لدراسة علوم النغم والأصوات والمقامات، قبل أن يزيد التبحر فى العلم والثقافة يقراءة «تاريخ الموسيقى» لجورج فارمر، وكتاب «الأغانى» لأبى الفرج الأصفهانى وغيرهما.

لم يكتف كذلك الشاب محمد الهلباوى، الذى بدأ تلاوة القرآن وإنشاد السيرة النبوية والتواشيح الدينية وعمره لم يتجاوز الخامسة عشرة، بالقراءة والدراسة بل بدأ فى تقليد مشاهير قراء القرآن الكريم: الشيخ محمد رفعت، والشيخ طه الفشنى، والشيخ منصور الشامى حتى توصل لشخصيته الصوتية المستقلة، التى رسّخت له قدماً فى دولة التلاوة وسط «الكبار».

 قال يوسف بن الحسين: «حضرت مع ذى النون مجلس المتوكل، وكان مولعا به، يفضله على الزهاد، فقال: صف لى أولياء الله. قال: يا أمير المؤمنين، هم قوم ألبسهم الله النور الساطع من محبته، وجللهم بالبهاء من إرادة كرامته، ووضع على مفارقهم تيجان مسرته».

ولطالما كان الشيخ محمد الهلباوى خلال كل المهرجانات الدولية التى ابتهل وأنشد فيها، وتلك المحاضرات التى ألقاها فى جنوب أفريقيا وفرنسا وإيران مجللاً بنور الله الساطع فى محبة مستمعيه وتلاميذه.

انضم للإذاعة عام 1979 مبتهلاً وموشحاً، وانضم إلى أساطير الغناء الصوفى فى قلوب عشاقه فى مصر منذ تعلم النطق، كما يقول مريدوه.

وتوفى  في 16 يونيو 2013.

أرشيفي الصحفي .. عبد الباسط عبد الصمد.. «أمير الصعيد» يحكم «دولة التلاوة»

قال الإمام الشهيد الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه «مِن دَلائِل عَلامات القَبول الجُلوس إلى أهلِ العقول، ومِن علامات أسبابِ الجَهل المُمَارَاة لِغَير أهلِ الكفر، وَمِن دَلائل العَالِم انتقَادُه لِحَديثِه، وَعِلمه بِحقَائق فُنون النظَر».

فى الجنوب من صعيد مصر، وفى محافظة قنا، مركز أرمنت، وتحديداً فى قرية المراعزة، ولد الطفل عبدالباسط محمد عبدالصمد عام 1927 لأب يعمل موظفاً فى وزارة المواصلات، وجد حافظ للقرآن متمكن من تجويده، وكعادة أهل الصعيد والريف فى هذا الوقت ذهب الطفل الصغير عندما أتم السادسة إلى كتاب القرية لاحقاً بشقيقيه الأكبر سنا، حتى أتم حفظ القرآن فى العاشرة من عمره، وعندما قرر مع والده أن يسافر إلى طنطا كى يدرس القراءات ويجود حفظه أشار عليه شيخه أن يدرس على يد الشيخ سليم، الذى كان قد تم نقله بالمصادفة إلى مدينة أرمنت ليلازمه عبد الباسط عبدالصمد، ويتقن على يديه كل علم القراءات، استعداداً لنقلة أخرى فى حياته.

يقولون فى الأثر «إن للذهب رنيناً، يشبه صوته درجة نقاء هذا الذهب»، كذلك كان صاحب الحنجرة الذهبية الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، الذى بهر المستمعين عندما قرأ سورة «الأحزاب» للمرة الأولى فى مسجد «السيدة زينب» عام 1950، وسط حشد من شيوخ المقرئين تصدرهم الشيخ عبدالفتاح الشعشاعى والشيخ مصطفى إسماعيل، ثم عاد بعدها إلى قريته رافضاً أن يتقدم للإذاعة.

لكن الشيخ «الضباع» يذهب بتسجيل صديقه فى المولد الزينبى للإذاعة، لينبهر الجميع بأداء الشيخ عبد الباسط ويتم اعتماده من خلال تسجيل صوتى للمرة الأولى فى تاريخ الإذاعة، إلا أنه ارتبط بالمشهد الحسينى، فكان بعد انتقاله للقاهرة بفترة إماماً لمسجده، محققاً قوله بجلوسه صغيراً مع أهل العقل متعلماً، ثم معلماً ومصححاً بعد ذلك، ومع انطلاق شهرته فى الآفاق، لدرجة أن البعض قال إن مبيعات أجهزة الراديو زادت من أجل سماع صوت الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، الذى تم تكريمه بعد ذلك فى أكثر من دولة منها سوريا وماليزيا، والسنغال وباكستان. يقول علماء التجويد والترتيل إنه لم يقرأ القرآن فى العصر الحديث مثل الشيخ عبد الباسط عبدالصمد، الذى شكل مدرسة وحده، لم تعتمد فقط على تعاليم وفنون القراءة والتجويد، بل اعتمدت على الاندماج التام مع معنى الآيات التى يرتلها، لتتشكل الطبقة الصوتية طبقاً لنوعية هذه الآيات، فيصبح صوته نبضاً معبراً عما يقرأ، وهو ما أثر فى الكثير من المستمعين وعشاق كتاب الله، الذين اعتبروا الشيخ هو القارئ الأول الذى لا تخلو مكتباتهم من تسجيلاته، إلا أن الشيخ الذى أنهكه مرض السكر والفشل الكبدى سافر إلى لندن عام 1988 لتلقى العلاج، لكنه عاد بعد أن وصلته البشارة بلقاء ربه، وتوفى فى 30 نوفمبر 1988، لتقام له جنازة رسمية عالمية، وتفقد مصر صوتها الذهبى الذى لن يتكرر.

أرشيفي الصحفي .. مصطفى إسماعيل.. مصر تسمع تسبيح الملائكة

طفلان شقيان يهربان يومياً من كُتاب قريتهما وشيخه عبدالرحمن النجار، صاحب العصا الغليظة والعقاب السريع الجاهز، يسيران لمسافة 7 كيلومترات من قرية ميت غزال وحتى قرية الدفرة ليلعبا سوياً بعيداً عن أعين الرقباء، وعن التزام الدرس فى «الكُتاب»، ولأن مصير أحدهما ارتبط بكتاب الله بما يشبه النذر، كان أهالى تلك القرية يعودون بالطفلين إبراهيم الشال ومصطفى إسماعيل إلى شيخهما، ليعيد تهذيبهما على «الفلكة»، مما أدى لتأخر حفظ مصطفى إسماعيل القرآن حتى أتم الثانية عشرة من عمره، ورفض شيخه أن يفرط فيه ويتركه للهو بسبب حلاوة صوته وسرعة حفظه، فقدم للتلاوة والتجويد المقرئ الملكى مصطفى إسماعيل، الذى التقى بعدها مصادفة بالشيخ محمد رفعت، وقرأ عليه القرآن، فأشاد بإمكانياته وطلب منه إتقان أحكام التجويد، وفنون التلاوة، ليكون نبوءة محمد رفعت الواجب تحقيقها، فأخذ «مصطفى» على نفسه عهداً بإتقان التجويد عن طريق أهل ذلك العلم، فلزم الشيخ محمود حشيش، وكان من قرَّاء المعهد الأحمدى، الذى تعهد الشيخ بالمتابعة والتوجيه، إلى أن تحقق المراد.

لم يكن اهتزاز القطار فى الطريق من طنطا إلى القاهرة ذلك اليوم فى منتصف القرن الماضى ناتجاً عن القضبان الحديدية، بل كان يهتز طرباً لحدث ينتظر هذا الشيخ الشاب، الذى أخذ يرتل الآيات القرآنية فى سره متابعاً قطرات المطر، التى غسلت زجاج العربة ليبدو كل ما خارجها واضحاً نقياً أمام الشيخ.

وصل قبل موعد بدء الاحتفال بمسجد الإمام الحسين إلى حفل الإذاعة الذى دعاه إليه الشيخ محمد الصيفى، أحد أساتذته، واستعد ليسمع ويتعلم من قراءة الشيخ عبدالفتاح الشعشاعى، الذى غاب بعد أن أصابه الشتاء وتقلبه بالمرض، ليصر شيخه على أن يتقدم مصطفى إسماعيل ليتصدر الحفل بآيات الذكر الحكيم، ليقرأ صاحب الصوت الملائكى سورة التحريم لمدة نصف ساعة بدأت من الساعة الثامنة حتى الثامنة والنصف وسط استجابة الجمهور، وما إن انتهى من قراءته، حتى أقبل عليه الجمهور يقبله ويعانقه ويستمع الملك فاروق إلى تلاوة الشاب، التى يحسبها السامع تسابيح الملائكة، فيأمر بتعيينه قارئاً للقصر الملكى قبل أن يتم اعتماده قارئاً بالإذاعة فى سابقة لم ولن تحدث فى تاريخ مصر.

فى نفس هذا التوقيت كان أحد المعتقلين السياسيين حريصاً على تقليد قراءة الشيخ مصطفى إسماعيل فى المعتقل، حيث اعتبر القراءة سلوته وحريته، التى يعبر بها جدران السجن، وبعد سنين من هذا الاعتقال كان محمد أنور السادات قد صار رئيساً لمصر، حين توفى الشيخ الجليل الذى كان صاحب نَفَس طويل فى القراءة التجويدية، فكان صاحب مدرسة جديدة فى أسلوب التلاوة والتجويد، وسجَّل بصوته القرآن الكريم كاملاً مرتلاً، وترك وراءه العديد من التسجيلات المجوَّدة، وكان رحيله كما أراد وقابل وجه ربه يوم الجمعة 22 ديسمبر 1978، وهو يقرأ القرآن الذى مازال يتردد بصوته فيهز أفئدة المسلمين من شرق الدينا لغربها.

أرشيفي الصحفي .. الشيخ رفعت.. «قيثارة السماء» تفتتح الإذاعة المصرية

«رحلت صاحبة الديوان (السيدة زينب) وتركت بعضاً من بركتها حول المسجد الذى دفنت فيه».. هذا ما قاله شيخ كُتّاب مسجد فاضل باشا فى درب الجماميز بحى السيدة زينب عندما سمع ترتيل ذلك الطفل الصغير الذى لم يتعد الخامسة من عمره بوجهه البيضاوى وجبهته العريضة، وتلك العيون التى خبا نورها لكنها أبت إلا أن توحى للناظر إليها بأنها تبادله النظر، وهذا الأنف المستقيم الذى كأنه استمد استقامته من كرامة غالية، وفم صغير تخرج منه آيات الرحمن، وكأن الروح قد قدت من اللوح المحفوظ.

إلا أن هذا الطفل الذى ولد قبل احتلال الإنجليز لمصر بأسابيع قليلة، فقد بصره عندما أتم عامه الثانى، ولم يمهله القدر سوى سنوات قليلة درس فيها علم القراءات وعلم التفسير ثم المقامات الموسيقية على أيدى شيوخ عصره قبل أن يختطف الموت والده مأمور قسم شرطة الخليفة وهو فى التاسعة من عمره، ليضيف اليتم إلى روح الطفل حساسية احتاجتها روحه كى تتكون شخصية قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، الذى ما لبث أن تولى قراءة القرآن فى المسجد نفسه الذى تعلم فى كتابه، ليذيع صيته وتتسع شهرته ليسكن رويداً رويداً فى قلوب عشاق كتاب الله.

فى 1934 استعدت الأمة المصرية فى زخم الأحداث السياسية الهائلة التى كانت تعصف بالبلاد، لاستقبال بث الإذاعة المصرية، بعد توقف العديد من الإذاعات المحلية، ولم يجد ميكروفون الإذاعة صوتاً يصاحبه فى لقائه الأول بالجمهور سوى كروان الإذاعة- كما أطلق عليه فيما بعد- ليصافح صوته آذان المستمعين بأول سورة الفتح «إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً»، وقد كان لـ«رفعت» طريقة خاصة فى تجويد القرآن، حيث كان يهتم بتجسيد المعانى الظاهرة عبر طبقات صوته المختلفة والمقامات الموسيقية المتعددة ليصل المعنى لكل جوارح المستمع قبل أذنه.

لم يسبق أن اهتم أحد بمخارج الحروف وأعطى كل حرف حقه، كما فعل الشيخ محمد رفعت حرصاً على تمام المعنى وكماله، لهذا أبكى من سمع آيات العذاب، وأشعل حب العابدين إلى لقاء ربهم بآيات الرحمة حيث كان ممتلئاً تصديقاً وإيماناً بما يقرأ.

مازالت معالم شهر رمضان فى مصر ثلاثة.. صلاة التراويح فى المساجد.. انتشار الطعام والضياء فى الشوارع.. أما فى البيوت فصوت الشيخ محمد رفعت الذى رحل منذ 72 عاماً لكن صوته فى رفع الأذان وقراءة القرآن لم يزل مرتبطاً فى أرواح المصريين بالشهر الكريم، ذلك الصوت الذى وهبه الله إياه، وكى يزيد فى اختباره أصابه سرطان الحنجرة فى نهايات عمره، ليوقف المرض الصوت، ويعجز عن إيقاف الروح، ليرفض الشيخ تلقى أى مساعدات عرضها عليه الملوك والأمراء بحجة أن قارئ القرآن لا يهان، لتبقى الكرامة لذلك الرجل الذى رفض صغيراً أن يرتزق بالقرآن، فيرزقه صاحب القرآن، وليرحل عن عالمنا فى نفس يوم ميلاده الموافق 9 مايو عام 1950، عن عمر يناهز الثانية والستين

أرشيفي الصحفي .. «التوني».. «كلمة» ابن الفارض و«دعوة» الحلاج

مد القمر أشعته الفضية على دروب وتلال الصحراء برمالها الذهبية، فشعت لوناً مهيباً، يليق بمقر «إقامة» ابن الفارض، سلطان العاشقين، قرب مكة المكرمة.

احتل الصمت كل المساحات الممكنة، انتظاراً لوصول الحلاج فى لقاء أسطورى، خيالى. اجتمع الشيخان، وانتهت الصلاة، وبدأ كل منهم يردد شعر الآخر، فى حب وخشوع، تغير اتجاه الرياح وطبيعتها، وتحول صفيرها إلى نغم على «سلم» اهتزازات جسدى الشيخين من الوجد والطرب، حتى ألقى ابن الفارض أبياته الأخيرة:

قلْبى يُحدّثُنى بأنّكَ مُتلِفي..        روحي فداكَ عرفتَ أمْ لمْ تعرفِ



لم أقضِ حقَّ هَوَاكَ إن كُنتُ الذي  لم أقضِ فيهِ أسى ومِثلى مَن يَفي



ما لي سِوى روحي وباذِلُ نفسهِ    في حبِّ منْ يهواهُ ليسَ بمُسرفِ



فَلَئنْ رَضيتَ بها فقد أسْعَفْتَني      يا خيبة َ المسعى إذا لمْ تُسعِفِ

صمت الشيخان وسرت كلماتهما فى الآفاق، عابرة البحر الأحمر نحو مصر، لتستقر فى مدينة أسيوط، ليولد بها بعد مئات السنين «سلطان المنشدين» أحمد التونى.. كلمة سلطان العاشقين ابن الفارض ودعوة الحلاج.



■ ■ ■

عشق التونى منذ نعومة أظافره شعراء الربابة، حماة السير الشعبية، وتتبع غناءهم فى صعيد مصر، إلا أنه عندما قرر الغناء، انحاز لسير الأولياء والعارفين بالله، والسالكين فى مدارجهم، الجُنيد والرفاعى والدسوقى والجيلانى، وغيرهم من الدوحة الشريفة.

عشق الكلمة منذ البداية، ولم يدرك فى بداياته وأثناء تنقله بين موالد الصالحين أهمية الموسيقى، غنى مرتجلاً دون لحن.. فأطرب. بعد ذلك، أدرك قيمة الموسيقى، فكون فرقته من ثلاث آلات، الكمان.. بعزفه الواصل لأوتار الروح، والناى.. مدرسة البكاء، وآلة إيقاعية.. تضبط «هارمونى» أُختيها. تعودت فرقته أن يفيض الشيخ بالشعر وتعزف هى وراءه، معتمدة على مسبحته التى يضبط بها الإيقاع، ناقرا على كأس زجاجى.



■ ■ ■

يدرك أن العمر قد تقدم به، يتذكر شبابه حين كان ينشد لـ6 ساعات متتالية فى الموالد، ولكنه الآن على مسرح فى باريس، يستعد للغناء، مؤمنا برسالته التى أفنى عمره من أجلها، وهى إيصال رسالة التصوّف الإسلامى للعالم كله، بوصفه نعمة لكل البشر، وليس حكراً على أتباع محمد.

يعتلى المسرح فى حالة وجد، مستلهما ما حلق عبره شيخاه قبل مئات السنين. يصمت الحضور الذين لم يرهم، يبدأ دون تحضير فى ترديد أشعار كبار أئمة التصوف، أبوالعزايم وابن الفارض والحلاج، متمايلاً مع موسيقى، شكلت مع غنائه لوحة شديدة الرقة والتأثير. تتوحد أجساد وأرواح الجمهور، مع سلم موسيقاه هو، ويصبح المسرح حالة مُندمجة من «الوصل والوجد»، تسمو بهم إلى حقب تصوف، شهدت ألم، وفرح، الحلاج، شهيدا.

أرشيفي الصحفي .. مصطفى حجازي.. «دوريان جراي» الهائم عشقًا بصورته

تعد قصة دوريان جراي، أسطورة من الأساطير التي كتبها الروائي أوسكار وايلد، والتي تناول فيها حكاية اللورد هنري وتون الذي دخل على صديقه الرسام باسيل هولورد فرآه مندمجا في رسم بورتريه لشخص رائع الجمال وشاب وسيم اسمه دوريان جراي.

كان «باسيل» قد تعرف عليه مؤخرا وأعجب به لروعة شخصيته وجاذبيتها ودماثة أخلاقه، فلا يمر يوم دون أن يراه ويتحدث معه، ويقول عنه: «في وجهه شيء يجعلك تثق به».

ويتعرف الاثنان بدوريان جراي الذي «يهيم عشقا بصورته»، على الرغم من أن الصورة تتغير رويدا رويداً مع الوقت وتظهر على ملامحها القسوة وملامح الزمن وكأنها رمز لفساد روحه كلما زادت أخطاؤه، حتى يطعن الصورة يوما بخنجر فيموت على أثرها.

يشبه هذا كثيرا الدكتور مصطفى حجازي الخبير الدولي في مجال التطور المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي وحوكمة الكيانات الاقتصادية والاجتماعية، وصاحب دعوة إحياء التيار الرئيسي المصري، الذي كان أول من أصّل لمعنى «أنسنة الإدارة» في الثقافة المؤسسية للشركات في منطقة الشرق الأوسط، والذي تم تعيينه مستشارا للشؤون الإستراتيجية للرئيس المؤقت عدلى منصور في أعقاب عزل محمد مرسي عن رئاسة مصر.

ولد مصطفى حجازي في القاهرة ودرس فيها حتى سافر إلى الولايات المتحدة  للحصول على دكتوراةه الفلسفة في الهندسة والإدارة الاستراتيجية للأزمات من جامعة جنوب كاليفورنيا، وعمل أستاذًا للإدارة والفكر الاستراتيجي والتطور المؤسسى في جامعة جنوب كاليفورنيا، ثم صار خلال العقد الأول من الألفية الجديدة أحد أهم منظري التنمية البشرية في مصر.

وما بين ثورة وضحاها، ومقعد في السلطة للمرة الأولى كمستشار لرئيس مؤقت، يتحول خبير التنمية البشرية عن وجهته، وبعد عرض ساحر من خلال مؤتمر صحفي رطن فيه «حجازي» باللغة الإنجليزية بطلاقة، ولقاء تليفزيوني مع الإعلامي محمود سعد، يتحول إلى «أيقونة ذكورية» تتحدث عنها نساء مصر بوله وإعجاب، ليصل الأمر بالبعض إلى ترشيحه ليجلس على مقعد الرئاسة في مصر عند أول انتخابات.

«دوريان جراي» المصري، في أول تصادم حقيقي بين الثورة والسلطة التي صار يمثلها، يرد في غضب أن المظاهرات التي جاءت به ومن معه إلى تلك السلطة تهدف إلى هدم الدولة، التي يمثلها أيضًا، لكنه لا يلحظ هذه المرة كـ«صاحب الأسطورة»، التغير الواضح في صورته، منذ برر فض اعتصام «رابعة العدوية» أمام المجتمع الدولي والمحلي، وحان الوقت ليبرر «اعتقال المتظاهرين» وحفاظا على الدولة، وأن ذلك يتماهى مع صورة رواية أوسكار وايلد بملامح لم تعد تشي بالثقة في غياب أي «أنسنة» للإدارة.

أرشيفي الصحفي .. إنها حقًّا عائلة محترمة!

لم يكن هذا المنزل العريق غريبا على كل سكان المنطقة، الذين يدركون جيدا قيمته وأصالته، حتى لو أصابت حوائطه بعض التشققات وزال لونها بفعل الزمان الذى لا يرحم، ولم يكن الجيران بمعزل عما يجرى داخل البيت من إعادة ترتيب، لدرجة أن بعضهم حاول التدخل فيها، بحجة الجيرة تارة وبلعبة المصالح تارة أخرى.

حتى العائلة الكبرى التى تنتمى إليها تلك العائلة التى تسكن المنزل، انقسمت حول سكانه فرقا وشيعا كثيرة، والعجيب أن كل فرقة عادت الأخرى، ولم تحاول مجرد الاقتراب منها.

وفى الداخل جلس الجد العجوز المتصابى بتلك التجاعيد التى جعلت وجهه أشبه بجذع شجرة عجوز، وأشار صفار أسنانه وتلك النظرة الماكرة فى عيونه الضيقة مع هذا الجاكيت الأخضر والبنطلون الأحمر ومعهما القميص الأصفر الذى تزينه رابطة عنق أرجوانية إلى مهنة الرجل السابقة كـ«قواد» محترف، يتحدث إلى أحفاده التسعة المختلفين دائما وأبدا بوصفه مرجعيتهم وجدهم.

لكنه كان يعرف جيدا أنهم لا يحترمونه، بحكم تلك المهنة التى مارسها منذ ظهوره للحياة عام 60، كان «التليفزيون الرسمى» يعلم أن أحفاده لن يتفقوا على شىء إلا احتقاره، لهذا استمر فى الحديث دون أن يسمعه أحد، فقط الكل متوجس من الآخر.

على الجانب الآخر على تلك الأريكة القديمة بجوار النافذة جلست «ريم» الحفيدة الأكبر سنا والتى يعرفونها باسم «دريم» بعد أن فاتها قطار الزواج، دون أن يشغلها الحوار الدائر بين إخوتها، فقط وأمام مرآة صغيرة أمسكتها بيدها اليسرى أضافت المزيد من مساحيق التجميل، كانت تتمنى من داخلها أن تهبها روحا تفقدها يوما بعد الآخر، وعلى أمل أن تنجح فى مسعاها لم تسمح ظروفها سوى بالمزيد من المساحيق.

بجوارها وعلى نفس الأريكة جلست أختها المطلقة «حورية» الشهيرة بـ«المحور»، تواصل دون توقف إحدى وصلات ندبها المعتادة فى كل اتجاه، تعلم أنها كأنثى لم تملك ما يميزها يوما، تمر فى حياة الآخرين دون أن تترك أثرا، يمرون عليها وكأنها أحيانا غير موجودة، تكتفى بما وصلت إليه، ولأنها لا تملك ما تعطيه، كانت ترى أنه كلما ارتفع صوتها فقد أثبتت وجودها.

وعلى المقعد المجاور جلس الأخ الجاد المشغول دائما «طارق»، المعروف باسم «On Tv»، يتحدث فى هاتفه المحمول، وهو يتابع حوار الآخرين، كان من داخله يطلق عليه حوار الطرشان، وكان يعلم بشبابه أنه مختلف عنهم وإن كان يسبق بعضهم سنا، كان يمقت ترفهم وابتذالهم وضحكاتهم، كان يتمنى أن يضحك يوما مثلهم، لكنه ككل المهمومين لا يجد وقتا إلا للعمل.

تحسس حافظ لحيته الطويلة عقب نهاية صلاته، وقبل أن يغادر سجادة الصلاة وبدلا من بدء التسبيح، اعتدل تجاه إخوته ليسبّ منهم من لا يعجبه، كان يعتبر نفسه المسلم الوحيد فى عائلة كافرة، لا تستحق وجوده، كان يتمنى ككل القنوات الدينية، أن يزول إخوته، لتربح تجارته أكثر فأكثر.

أما «سيد بك» المعروف بالـ«حياة» فلم يُضِع وقته فى هذا الحديث الدائر، أدار بعض صفقاته الاقتصادية عبر حاسبه المحمول، واطمأن لرصيده من البورصة، اشترى كل ما تم عرضه من أسهم بأسعار عجز إخوته عن مجاراتها، كان يدرك أنه الأغنى، الأكثر ثراء، وكان يبحث عن مجد مزعوم لن يصله أبدا، اكتفاؤه الدائم باستعراض ثرائه أفقده الطريق إلى قيادة الأسرة، كما أن أصوله المادية كانت مسارا لجدل طويل من العائلة والجيران. صرخ «تيفا» فانتبه الجميع، وظهر الصمت فى المنزل للحظات، نظروا جميعا خلالها لأخيهم المريض بالتخلف العقلى، صاحب القدرات العقلية المحدودة المعروف باسم «الفراعين»، كان يفعل هذا ليجذب انتباههم، وكانوا يدركون أن العائلة الكبرى تستدعيه كثيرا، إما لتسخر منه، أو يعتبره بسطاؤها «بركة» ككل «عبيط» فى ثقافات بلادنا.

ربت «سامح»، أو «سى بى سى» على ظهر أخيه المريض ليصمت، استجاب الأخ لآخر العنقود، ذلك الشاب الملىء بالحياة، والذى تغدق عليه الأموال من كل جانب، «دلوعة الأسرة» كما يقولون، الذى يرتدى أزهى الثياب، والذى لا يدخن سوى السجائر المستوردة، ويتابع عن كثب كل التطورات الغربية فى مجاله ويعيد طرحها لعائلته، كان يخطط فى داخله لقيادة تلك العائلة يوما، إلا أن صراعه مع أخيه «متولى» المعروف باسم «مصر 25» وكل من يتبعونه من العائلة الكبرى كان شغله الشاغل فى تلك المرحلة، كان يعلم أنه صراع سوف يفوز به أحدهما فى النهاية ليموت الآخر، وكان مستعدا لقتل أخيه.

وكان «متولى» أيضا يتمنى قتل أخيه الأصغر، ولأنه امتهن مهنة جده، وتعلمها منه درسا بعد درس، وأضاف إليها ما عجز جده عنه، حيث نجح فى إقناع من يتبعونه فى العائلة الكبرى أنه يمارس عملا شريفا، بقدراته الخاصة حول «القوادة» لعمل يفخر به، يعايره الآخرون لكنه أيضا يعايرهم، ويستعين بـ«حافظ» أحيانا ليجرسهم، لأن عائلتهم الكبرى كانت تعتبره شيخا لا يخطئ، وكان يؤمُّهم معه أحيانا أخرى، القواد يؤم العائلة فإلى أين تصل؟

تشابكت أصوات الجميع المرتفعة، وبدت صالة المنزل التى اجتمعوا فيها أشبه بميدان مزدحم، ينظم مروره الغضب، وتحدد قوانينه الضجة، يحاول كلا منهم أن يعلو بصوته فوق الآخر، فتتعثر الكلمات ولا تصل إلى مبتغاها، فقط يملأ الضجيج ساعات الإرسال، وقبل أن ينفضّ الجمع دون أن يستفيدوا من لقائهم، يقطع الضجة رنين متواصل لجرس باب المنزل، يتكاسل الكل عن فتح الباب، فيستمر الرنين دون هوادة، وعندما يفتح الجد الباب مستجيبا لكل منادٍ كما اعتاد دائما، يدخل «نواف الغامدى» المعروف باسم «الجزيرة» وعلى وجهه ابتسامة لزجة قائلا: اتمسوا بالخير، كيف حالكم، أنا بلشت تنظيم فى المنزل اليوم، لا تغيروه طال عمركم.

أرشيفي الفني .. كندة علوش.. مخلوقة من سحاب



خلق الله كندة علوش من السحاب، تشبه تماما تلك الندف البيضاء التى تمر فى السماء، فتمنع الحر وتهبنا المطر، وتشبه موهبتها تلك القدرة المدهشة على النماء التى يهبها المطر للأرض الخصبة.

ولأن لها نصيبا من اسمها، كانت كندة ذلك الحجر الثمين الذى خرج من رحم جبل الموهبة، وكانت متزنة مقفية مليئة بالمعانى كالشاعر الكندى «امرؤ القيس» حين قال: «إذا نَالَ مِنْها نَظَرَةً رِيعَ قَلْبُهُ كما ذرعت كأس الصبوح المخمر».

خرجت من الشام كما يخرج كل طيب، واستقرت بمصر كما يستقر كل جميل، بملامح وجهها الفينيقية، بتلك الجبهة المرمرية وزوج العيون السومرية، وذلك الأنف المصنوع على عجل للحضارة الكلدانية، والشفاه العربية الأصيلة، وتلك الموهبة التى صنعها «أبوللو» إله الفنون والموسيقى والشعر عند الإغريق.

أشرقت كندة فى سوريا وسطعت فى مصر، وما للشمس بعد الدفء سوى البقاء بالقرب من تلك الأرواح التى عشقت النهار، كما عشقت هى الحق والعدل والثورة.

وربما كانت ابنة سوريا المولودة فى دمشق المدينة العريقة التى استمدت منها روحها والتى درست الأدب الفرنسى ثم النقد فى المعهد العالى للفنون المسرحية فى دمشق لتعمل كمخرجة مساعدة قبل أن تمثل مع رشا شربتجى فى أول أعمالها مسلسل «أشواك ناعمة» لا تعلم أنها تعد نفسها جيدا لتكون فنانة حقيقية فى عالم يزخر بمدَّعى الفن.

ويبدو هذا واضحا للغاية فى إخراجها فيلما وثائقيا عن عمال بلادها فى لبنان تحت عنوان «فى مهب الريح»، لتعطى درسا لا ولم تقصده للفنانين العرب ليتحدوا مع مشكلات بلادهم، يصنعون فنا للترفيه والمتعة ويشاركون أيضا فى ما يصنع الأوطان، خصوصا عندما تمر تلك الأوطان بفترات تهدد وجودها وهويتها.

شاركت أيضا مع زوجها الكاتب فارس الذهبى فى تقديم الدعم للفنانين السوريين الشباب من خلال شركة إنتاج أنشآها معًا، كأنهما يعرفان أن للبريق واجبات قبل المميزات.

كندة علوش مثال حى للفنان الحقيقى الذى صنع فنا ويشارك فى صنع وطن، فى زمن صار الفنان فيه مجرد سلعة يتاجر بها منتج من خلال فن وضيع استهلاكى يضيع الهوية ويهبط بالذوق العام.

فنانة تستحق اللقب الذى لا يستحق الكثيرون حمله، تحمل على عاتقها بصحبة رفيق رحلتها همَّ وطن وهدف حقيقى بتحقيق الذات، يحمل فى طياته كل تلك المعانى التى ننتظرها من فنانينا حين كانوا يشاركون فى صنع الوطن.

أرشيفي الفني .. «سيمون»....من نظرة وابتسامة تركت في كل أعمالها علامة

كان عقد الثمانينيات بداية ثورة موسيقية جديدة نقلت الأغنية العربية من إطارها التركي الذي يعتمد في الأساس على الألات الشرقية مطعمة ببعض الجمل اللحنية والألات الغربية، إلى إطارها الحديث حيث تصبح الأغنية في حد ذاتها مسرحا لما يلائمها من أدوات دون التقيد بشكل أو إطار معين، وكذلك وصول التكنولوجيا الحديثة إلى ستوديوهات التسجيل بقيادة حميد الشاعري ومجموعة متميزة من الشعراء والملحنين.
لكن بقيت الأغنية في هذا العصر تنتظر تلك الفتاة الصغيرة القادمة من حي شبرا التي تجاوزت العشرين من عمرها لتهبها "الشقاوة" الحقيقية التي كانت تفتقدها، ويبحث عنها هذا الجيل.
وبوجه مثلث وملامح اختلطت فيها الحضارة الفرعونية بالإغريقية، وأصول صعيدية  وصوت يحمل بين طياته شقاوة شابة حملت في عينيها حبا شديدا للحياة، وعلى خشبة مسرح مهرجان الصداقة المصرية اليونانية وباللغة اليونانية قدمت أولى أغنياتها باللغة اليونانية، لتخوض بعد ذلك سيمون فيليب كامل الشهيرة بـ"سيمون" رحلتها الفنية القصيرة، التي بدأت بألبوم "تاني تاني" التي كانت بعض ألحانه لأغاني فرقة "modern talking" الألمانية، ذلك الألبوم الذي ردد من أجله شباب الثمانينيات أغنية "تاكسي" من كلمات محمد ناصر والحان حميد الشاعري، وهم يتعرفون للمرة الأولى على صوت ظنوه في البداية ضعيفا يدغدغ  فقط بشقاوته منطقة ما في صدورهم لم يتعرفوا عليها بعد، بدا الالبوم مفعما بالبهجة، لكن ميله للأغنية الغربية فقط جعل البعض يحجم عن الاندماج مع "شقاوته".

أغنية "تاكسي"
http://www.youtube.com/watch?v=tHXERpLrD10
قليلون هؤلاء الذين مثلوا أمام فاتن حمامة ولاحظتهم الكاميرا، أو غنوا أمام محمد منير وأدرك الميكروفون صوتهم، لكن سيمون جمعت الحسنيين في فيلم واحد من إخراج خيري بشارة، حين قدمت دور "لمياء" ابنة فاتن حمامة، التي عملت كممرضة وعشقت زوج أختها "عرابي"  قبل أن تنتحر حرقا بالنار.
كان موعدها الأول مع الكاميرا مختلف، تخلت عن شقاوتها للمرة الأولى وظهرت كممثلة حقيقية ذات موهبة واضحة، وكأنثى جميلة تثير أحلام الشباب.
كان فيلم "يوم مر ويوم حلو" شهادة ميلاد لفنانة تجاوزت مرحلة الانطلاق وباتت قدماها أكثر ثباتا.

سيمون تغني أمام منير في الفيلم:
http://www.youtube.com/watch?v=Nkbh-PiRAIs
 تقدم "سيمون" ألبوم "ألو ألو" مستمرة في طريقها الذي بدأ يتضح، وتبقى أغنية "مظبوطة" علامة ذلك الالبوم، وهي الأغنية التي رددتها شابات نهاية الثمانينيات، واستغلها شباب تلك الفترة لمعاكستهن، ربما لأن كانت الأغنية تتناول "المعاكسة" قبل ظهور التحرش، لكنها كانت تعبر عن حالة من الحرية التي تطمح فيها الفتاة المصرية في هذا التوقيت، حققت الأغنية نجاحا ملحوظا خاصة بعد اختيارها للتصوير من أغاني الألبوم، بما فيها من نموذج واضح للزي والمكياج وقصات شعر مرحلة الثمانينيات، لكن "سيمون" كانت على موعد أخر في طريق أخر مع الفن، خاصة مع النجاح المتوسط الذي حققه البوم "أحب أقولك" الذي تلى هذا الألبوم، رغم بداية استخدام بعض أنواع المقسوم الشرقي في ألحان أغانيها، ثم ألبوم "باتكلم جد" صاحب اشهر دويتو أدته في تاريخها الفني أمام الفنان حميد الشاعري، والتي حققت نجاحا كبيرا.

أغنية "مظبوطة" من ألبوم "ألو ألو
http://www.youtube.com/watch?v=IzYE_suYCGw
أغنية "ماشية في حالي" من البوم "أحب اقولك"
http://www.youtube.com/watch?v=V3FBcnmcQus
أغنية "باتكلم جد" من البوم "باتكلم جد"
http://www.youtube.com/watch?v=PafhN2wg7Bc
يبقى عام 92، عاما مميزا في مشوار النجمة التي أتمت عامها الـ26 بتقديم فيلمي "الهجامة" أمام ليلى علوي، "حالة اشتباه" أمام فاروق الفيشاوي و"أيس كريم في جليم" امام عمرو دياب.
العمل في فيلم من تأليف أسامة أنور عكاشة وأخر من إخراج خيري بشارة في عام واحد شهادة تخرج نهائية للفنانة الشابة من مدرسة التمثيل، من خلال دورين مختلفين نهائيا، لعبتهما بحرفية وموهبة تنال مرحلتها الأخيرة من الصقل على يد صناع الفيلمين، حقق "الهجامة" نجاحا معقولا، لكن بقي "آيس كريم في جليم" علامة في تاريخ شباب بدايات التسعينيات، وكذلك عشاق عمرو دياب، خاصة عندما غنى لها "الهضبة" "حتمرد ع الوضع الحالي"، كانت سيمون نظاما يتمرد عليه دياب في أغنية سيستخدمها المصريون بعدها بـ20 عاما ساخرين من نظام يثورون ضده، لكن سيمون بدأت عادة جديدة منذ هذا الفيلم حيث تركت علامتها ورحلت، وكأنها أحد تلك الطيور المهاجرة التي قررت ألا تستقر في مكان واحد للأبد.

أغنية "أنا فقير" من فيلم "آيس كريم في جليم"
http://www.youtube.com/watch?v=vWhvPcgz8Dc
أغنية "حتمرد ع الوضع الحالي من فيلم "آيس كريم في جليم:
http://www.youtube.com/watch?v=pzZBkzAvuWA
تركت سيمون السينما عام 92، ثم تركت الغناء أو إصدار الالبومات الغنائية عام 96 عقب إصدار أنجح البوماتها "في حاجة كده"، تاركة علامتها الواضحة المميزة بالشقاوة في عالم الغناء.
وعلى رأس أغاني هذا الالبوم أغنيتها الأشهر "مش نظرة" ، وكذلك أغنية "في حاجة كده"، ربما لا نعرف لماذا توقفت سيمون عن الغناء، لكنها اختارات توقيتا ممتازا يستعد فيه جيل الثمانينات لفتح الطريق أمام جيل جديد يستخدم تكنولوجيا أكثر تطورا بأدوات جديدة في دوران سريع لدائرة النجومية يليق بموسيقى تلك المرحلة، كانت قادرة على البقاء خاصة وأنها لم تتجاوز الـ30 بعد، لكنها ككل الموهوبين الاذكياء يغادرون في القمة.

أغنية "مش نظرة" من ألبوم "في حاجة كده"
http://www.youtube.com/watch?v=vM5mDNyX3H8
أغنية "في حاجة كده" من البوم "في حاجة كده"
http://www.youtube.com/watch?v=y6Au2Gw83eU
ولأن المسرح ابو الفنون، والطائر المهاجر قد ترك بصمته على الغناء والسينما، صار لزاما على سيمون أن تقتحم المسرح أمام فنان مسرحي كبير مثل محمد صبحي، وكأن قدرها وإختيارها لا يرضى سوى بالعمالقة، ومن خلال أربعة مسرحيات هي "كارمن" و"لعبة الست" و"سكة السلامة" في نهاية التسعينيات وبداية عام 2000.
كانت سيمون تتألق على خشبة المسرح في كل عرض، تقدم طاقات استعراضية وتمثيلية درامية وكوميدية، وكأن بركانا انفجر، انصاعت لها خشبة المسرح وخلدت اسمها ضمن نجمات قليلات سطعن على المسرح بقوة يذكر منهن تاريخه سميحة ايوب وسهير البابلي.
تركت علامة من خلال تجربة قصيرة للغاية ككل تجاربها وكأن الطير المهاجر دائما ما ينتظر موعدا للرحيل، غادرت الخشبة المقدسة وهي في قمة نضجها ونجاحها، كما اعتادت دائما.

مشهد من مسرحية "لعبة الست"
 http://www.youtube.com/watch?v=G3mdPpT8XjQ
تبقى "سيمون" بعيدا عن أي مقارنة يمكن عقدها على المستوى الفني، طائر غرد دائم خارج السرب، ترك بصمته في كل مجال ثم توقف وهو في السماء، فعجز معجبوه عن التوقف عن التطلع إليه على أمل أن يعاود التحليق مرة أخرى، أو لأنه صار باقيا في قلوبهم للابد في هذا المكان في الصدور الذي دغدغته في البومها الأول ولم يعرفوه حينها.

أرشيفي الفني.. روزا

لم تصل إلينا الموسيقى الفرعونية، ولا تلك الموسيقى التى عزفها أسلافنا الأقباط فى مواجهة القهر الرومانى، ولا حتى الموسيقى التى عزفها المصريون والفاتحون العرب بعد فتح مصر.

لكننا نعرف جيدا أن الموسيقى كانت فرضا لا يغيب عن روح الشعب المصرى منذ عرفها.

منذ قررت الأم المصرية أن تهدهد طفلها فى الفراش، منذ تحايل البنَّاء المصرى على آلام عمله بالغناء، عندما روج البائع المصرى لسلعته بنداء مسجوع يليق بها، نقل سيد درويش بعض مذاقها لكنه لم يتمّه، وتعرفنا على المذاق الباقى عبر أصوات مختلفة، من صوت محمد منير الذى يشبه «الكركديه الأسوانى»، وسبقه محمد حمام الذى يشبه «التمر هندى»، وصولا إلى صوت فيروز كراوية الذى يشبه «العرقسوس»، ذلك النبات المصرى الأصيل الذى يستخرج من جذور الشجرة، وأكثر حلاوة من السكر العادى، تماما مثل شخصية صوتها، ولصوت المطربين الحقيقيين فقط شخصية تتذوقها الآذان. وبما أن لكل امرؤ نصيبا من اسمه، ولأنها سمية مطربة كبيرة، نجحت منذ طفولتها فى أن تشكل روحها تربة خصبة لموسيقى الرحبانية، روتها تلك الأصول البورسعيدية الأبيّة لتشكل صوتا مصريا أصيلا يشبه تربة ذلك الوطن، والمزيج المبهر لشعبه عبر التاريخ.

وبروح تشبه تلك التى قهرت الغزاة على خط القنال، خاضت فيروز كراوية معركتها ضد الغناء التجارى وعالمه متشعب المصالح، الذى لن يعترف أبدا بصوت كل مميزاته أنه يشبه آلة «الهارب» الفرعونية.

فقط لأن روحها تتسع كلما غنت، ولأن لصوتها دفئا يشبه تلك الليالى العائلية فى بيوت الوطن، أصرت على مشروعها وأنتجت ألبومها الأول «بره منى»، لتغنى للقهوة وللوشوش ولذلك البطل المثالى.

غنت فيروز لتسقى أرواحا، ارتوى أسلافها على يد بائع «عرقسوس» قديم ظهيرة يوم حار فى قاهرة المعز، غنت بروح مقاتل اعتنق الفن رغم أنه يخاف من «حاجة واحدة» كما شدت فى ألبومها الوحيد.

ومع انشغالها بتسجيل ألبومها الجديد كانت تهمس دون انقطاع أن «السمكة يمكن أن تفسد من داخلها دون أن يفسد رأسها»، كانت تعلم جيدا أن تلك الروح التى وهبها الله لها ليست ملكا لأحد، سوى لذلك المطرب القديم الذى قضى نحبه فى أزقة مدينة ساحلية أو قرية ريفية على أمل أن يسعد رجل هزمه الحزن، أو يروى قصة بطل لم تهزمه غزوات التتار.

أرشيفي الفني .. عن رحيل كفتة : الموت بيريح يا حسن؟

م يختلف طول الطفل الصغير الذي اجتاز عتبات ستوديو مصر لتصوير دور كومبارس صامت في فيلم "العيش والملح" خلف المطرب سعد عبدالوهاب عام 49، عن هذا الكومبارس المتكلم الذي يظهر في مشهدين في فيلم "إتش دبور" عام 2008، او كابتن فريق كرة القدم الأمريكية في مسلسل الكبير قوي مع أحمد مكي عام 2012.
فقط كان الفارق 63 عاما من العمل على الهامش، في خلفية المشهد، قريبا من النجوم دون أن ينال نصيبه من الضوء، تلهبه نار الفن لكنها لا تعطيه أكثر من الحرارة والالم بلا بريق.
ومن على قهوة "بعرة" المقر الرسمي للكومبارس في مصر، حيث يشبه وصول "الريجسير" حلول العيد على قلب الأطفال كان مقر حسن كفتة الدائم، بجسده القصير الذي لم يصل إلى متر ونصف، وملامحه الضخمة التي تعطي وجهه نمطا كاركاتيريا يناسب الأدوار الكوميدية، وزوجا من العيون سكنها الحزن بفعل تصاريف القدر ومتاعب المهنة.
وعبر ما يزيد على ثلاثين عاما، هجر الشاب الذي بدأ يدخل مرحلة الرجولة مهنة التمثيل غاضبا عدة مرات ليمارس مهنا أخرى ثم يعود إليها، حتى قدم مع الفنان محمد صبحي مسرحية "الهمجي"، ثم يضمه ذات يوم الفنان سمير غانم لفرقته المسرحية، مستغلا حجمه وسط مجموعة من الكومبارس في مسرحية "أخويا هايص وأنا لايص"، ليصير المسرح ملاذا أمنا يحصل منه على مرتب شهري ثابت، يعوضه عن سنين طويلة من التقلبات.
ربما لم تشغله ضحكات الجكهور على ما يقدمه على خشبة المسرح، ربما ألمته لأنها كانت ساخرة من حجمه وتناقضه مع عمره، ربما لم يهتم نهائيا سوى بذلك الراتب، لكن المؤكد أنه بدأ العمل فعليا وصار اسما مطلوبا على قهوة "بعرة".
شارك بعدها في العديد من الافلام مثل  «علي سبايسي» مع حكيم، «حريم كريم» مع مصطفى قمر، «الساحر» مع محمود عبدالعزيز، «أصحاب ولا بيزنس» مع هاني سلامة، و«التجربة الدنماركية» مع عادل إمام، حينها بدأ وجه حسن كفتة يغدو معروفا في الشارع، وبدأ يتبرم إذا لم يعرفه أحد، ابتسم الطفل الذي دخل الاستوديو في سن العاشرة قبل 50 عاما كلما طلب منه أحد أن يلتقط معه صورة.
لكنه ظل خجولا حين تحاصر الأضواء كبار النجوم في حفلات العروض الخاصة، كان يحتل ركنا بعيدا يدخن فيه سيجارته في صمت.
وفي النهاية كان على مقعده المفضل في قهوة "بعرة يتحدث عن متاعب المهنة قائلا :«أشعر بالضيق من قلة الأعمال الفنية المعروضة عليّ، وقلة الدخل الذي لا يتعدى المائة جنيه، فيومي يسير متباطئاً وأشعر بملل لا يطاق، ولكن حالتي تتغير تماماً حينما يمر علي أحد المارة ويتعرف علي ويطلب مني صورة تذكارية، فوقتها فقط أشعر بالفخر وبأن السنوات الطويلة التي قضيتها ككومبارس لم تضع هباءً».
كان حسن كفتة ضمن الملايين التي ثارت في 25 يناير، ويتذكره الكثيرون من رفاق الميدان وهو يتقافز طفل صغير فرحا بالتنحي، ربما يتذكره البعض دائما لكنهم ينسونه بمجرد غياب الابتسامة الشاحبة عن وجوههم، ربما يترحم عليه البعض اليوم عقب رحيله بأزمة قلبية أودت بحياته في سن الخامسة والسبعين، الأكيد أن أحدا لن يتذكره غدا، وأن المئات غيره مازالوا على الدرب جلوسا على قهوة "بعرة"، يحلمون بمعاملة أكثر إنسانية، واحترام داخل "لوكيشن" التصوير، ومعاش واجر يليق بمن اضاع عمره بين النجوم السوداء على أمل الشروق.

أرشيفي الفني .. «أحمد عدوية».. حين صار للشارع صوت مسموع

والد مشغول بتجارة المواشي في المنيا عروس الصعيد في أربعينيات القرن الماضي، يحمل هم قبيلته الصغيرة المكونة من زوجته وأطفاله الـ14، ولا يجد متعته سوى في الجلوس في أحد مقاهي المدينة لسماع أحد شعراء الربابة منشدا بعض السير الذاتية الأسطورية لأبو زيد الهلالي وسيف بن ذي يزن وعنترة بن شداد، وغيرهم من أساطير زمن مضى، ومع مضي الوقت وتحديدا في منتصف الخمسينيات كان يعجز عن منع طفله الـ13 أحمد من اصطحابه للمقهى لسماع الأغاني، فقط كان يدهشه تعلقه الشديد بما يسمع وحفظه بسهولة وترديده بعد ذلك بصوت جميل.

وفي شوارع المنيا وفي بيوت الاصدقاء مرت السنون بالصبي وصار شابا يافعا، يغني مجاملا في الأفراح مرددا أغاني محمد العزبي وشريفة فاضل ومحمد رشدي الذي اعتبره أبا روحياً له وكذلك العديد من نجوم الأغنية الشعبية، وحين أتم الـ24 كان قد اتخذ قراره بشد الرحال إلى قاهرة المعز، وشارع محمد علي تحديدا لاحتراف الغناء بناء على نصيحة الأصدقاء وذلك العشق والشغف غير المحدود بالغناء.

وفي مقهى «الآلاتية» في شارع محمد علي بدأ الشاب أحمد مرسي، الشهير بأحمد عدوية رحلته مع الموسيقى عازفا للناي والرق في بعض الفرق الموسيقية متحينا الفرصة للغناء هنا أو هناك في فرح شعبي أو حفلة خاصة، حتى لبى الدعوة للغناء في عيد زواج الفنانة شريفة فاضل، وسط كوكبة من نجوم الغناء.

كان المطرب الشاب غير معروف لدى أغلب الحضور، وكان حضوره لسد الفراغات الزمنية بين كبار المطربين، لكنه عندما غنى جذب أنظار الجميع، ليطلب منه صاحب كازينو «الأريزونا» العمل معه، ويوقع في اليوم التالي عقدا باحتراف الغناء رسميا.

وفي شارع الهرم حيث تذوب أغلب المواهب وتضيع بين «أكل العيش» و«عدم انتباه السميعة» كان أحمد عدوية مختلفا، وبحكم انتمائه للشارع الذي ضم صوته في بدايات مشواره الفني كان يرى أنه من الطبيعي أن يغني لغة هذا الشارع، بعيدا عن لغة أغنية هذا العصر المتحفظة والمحفوظة داخل قوالب متجمدة.

وفي عام 1973، حين قدم أحمد عدوية أغنية «السح الدح إمبو» كاسرا «تابو» الشعر المنقي والمفلتر بعيدا عن لغة الشارع والتي حققت نجاحا كبيرا للغاية، بدأ المطرب الشعبي أولى خطوات النجاح، ليتبعها بعد ذلك بمجموعة من الأغاني مثل «بنج بنج» و«سيب وأنا أسيب» و«زحمة يادنيا زحمة» ويصدر البومين لشركة «صوت الحب».

وكعادة الوسط الثقافي والفني حين يلقى من يغرد خارج السرب، خرج العشرات من الصحفيين والفنانين مهاجمين المطرب الشاب، معتبرينه مثالا للانحطاط والابتذال، لدرجة أن المخرج الكبير محمد خان اتخذ من أحمد عدوية رمزا للابتذال في فيلمه «خرج ولم يعد» حين كان بطله يحيى الفخراني يصرخ في الريف قائلا :«جايلك ياعدوية».

إلا أن هذا الجدل الدائر حول مدرسة المطرب الشعبي الشاب جعل العديد من منتجي السينما يقدمه في عدد لا بأس به من الأفلام التجارية مثل «حسن بيه الغلبان» و«العسكري شبراوي» و«رجل في سجن النساء» و«البنات عايزة إيه» و«مشاغبون في الجيش» و«أحلام البنات» و«خدعتني امرأة» و«السلخانة» و«حارة العيش الحاف» و«خمسة في الجحيم».

كما غنى رغما عن الجميع في التليفزيون المصري عام 78 بعدما أعلن الرئيس الراحل أنور السادات عن حبه لصوت «عدوية» من خلال إحيائه عيد ميلاد شقيقته الكاتبة سكينة السادات فى منزلها فى حدائق القبة ، حين طلب منه السادات غناء أغنية «سلامتها أم حسن» والتي كان يعشقها.

وفي عام 1980 صار أحمد عدوية مطربا معتمدا في الإذاعة على الرغم من رفض الوسط الفني والثقافي له رغم حماس بليغ حمدي وتقديمه صوت «عدوية» من خلال أغني مثل «بنج بنج» و«آلا أونا»، وشهادة موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب له بأنه أحد أصح الأصوات العربية، بينما احتفى به العندليب الاسمر عبدالحليم حافظ بغناء أغنيته «السح الدح امبو» بينما غنا هو أغنية «خسارة» لحليم، وقال عنه الأديب الكبير نجيب محفوظ «إنه صوت قوي مليئ بالشجن» وكان يعتبر أغنيته «سيب وأنا سيب» التي كتبها مأمون الشناوي ولحنها سيد مكاوي أغنية «سياسية تدعو للسلام».

ومع نهاية عقد الثمانينات وبعدما صار أحمد عدوية ملكا متوجا للأغنية الشعبية في مصر، ومع بداية التسعينيات يتعرض المطرب الشعبي لحادث مثير للجدل، وما بين شائعات ترددت من آن لأخر عن منافسة نسائية ما بينه وبين أمير عربي اختفى صوت الشارع وخفت بأمر المرض والعجز.

لم يقطع هذا الاختفاء سوى محاولة وحيدة بإصدار ألبوم بلغة «الفرانكو أراب» وكأن صاحب الصوت خجل من أن يقدم لغته بهذا الصوت الواهن.

ومع مطلع الألفية الجديدة، وبعدما صار المثقفون والفنانون على وعي تام  بقيمة ما قدمه أحمد عدوية خلال مشواره الغنائي، عاد من جديد  ولكن مرتين، الأولى على يد ولده محمد الذي احترف الغناء، والمرة الثانية حين غنى من جديد مع رامي عياش ثم محمد عدوية وأخيرا فرقة «وسط البلد».

عاد الصوت الشارع هذه المرة مليئا بالخبرة، مثقلا بالتجربة المختلفة، مفعما بالتقدير لهذا الزمن الذي أدرك أخيرا قيمة أحمد عدوية.

أرشيفي الفني .. في ذكراها...ذكرى التي كانت

لا تمل مقولة "لكل امرؤ نصيب من اسمه " من التكرار، وفي واقعة هي الأكثر وضوحا تمر بنا ذكرى المطربة التونسية الراحلة "ذكرى" ابنة "وادي الليل صاحبة الصوت الجبلي القوي.
تلك المطربة الشابة التي رحلت منذ 10 سنوات قتيلة على يد زوجها رجل الأعمال المصري، بسبب الغيرة أو السياسة كما قالت بعض الشائعات، بسبب الحب أو السياسة، غادرنا صوتاً يستحق أن يعيش للأبد .

أغنية "وحياتي عندك" أحد اشهر أغاني ذكرى
http://www.youtube.com/watch?v=CaZD4E8iz8Y

البداية كانت في الوطن، في تونس بين اب يشجع طفلته على الغناء وأم ترفضه حتى رحيل الوالد وهي في الثانية عشر من عمرها، أول فراق في حياة المطربة التي عانقها الألم، لتأخذ الوالدة على عاتقها إكمال ما تمناه الاب لابنته.
حتى عام 1980 حين شاركت صاحبة الـ19 عاما في  برنامج المسابقات "بين المعاهد" بأغنية "أسأل عليا" لليلى مراد، وهي نفس الأغنية التي شاركت بها بعد ذلك بثلاثة سنين في برنامج الهواة "فن ومواهب"، وأحب الحكام صوتها وفازت بالجائزة الكبرى في النهائي يوم 23 يوليو 1983 بأداء مبهر ورائع لأغنية "الرضى والنور" لأم كلثوم، فانتبه لذلك عزالدين العياشي الذي احتضن موهبتها ولحن لها أول أغنياتها بعنوان "يا هوايا"، ثم قدمها في أول حفلة في مهرجان قرطاج بتونس، لتنضم بعدها إلى فرقة الاذاعة والتلفزة التونسية بقسم الأصوات وهناك تلتقي بالملحن عبد الرحمن العيادي الذي لحن 28 أغنية من إجمالي 30 أغنية قدمنهم في تونس خلال 10 سنوات من إحتراف الغناء.
حتى عام 1990 حين تدخل الحب للمرة الأولى في حياة ذكرى وأجبرها خلافها مع خطيبها الملحن عبدالرحمن العيادي الذي رفض ن يلحن لها غيره، أن تنضك إلى مجموعة "زخارف عربية " قبل الهجرة إلى ليبيا.

أغنية "حبيبي طمن فؤادي" من ألحان العيادي
http://www.youtube.com/watch?v=15k4w9YbLdU

في ليبيا يتعامل الصوت النادر صاحب المقان العالي مع مجموعة من كبار الملحنيين الليبين مثل محمد حسن، علي الكيلاني، عبد الله منصور، سليمان الترهوني، رمضان كازوز، خليفة الزليطني، عمر رمضان، و غيرهم، لتكون صاحبة الرصيد الأكبر من الالبومات باللهجة الليبية رغم بقائها لمدة 4 سنوات، إلا أنها حرصت على العودة من آن لأخر للغناء باللهجة الليبية، وقامت بالمشاركة في تأسيس سلسلة "رفاقة عمر" التراثية الرمضانية لمدة 16 عام متتالية، وكأن صاحب الصوت العريض، القادم من العصر الأندلسي يحمل وفاء تجاه تلك الفنون التراثية، يستطيع تحمل أمانتها وأمانة نقلها للعصر الحديث، صوت يشبه ألة زمن جاءت من الماضي.
اصدرت ذكرى العديد من الألبومات في ليبيا مثل "و بحرت"، و"شن درنالك"، "نفسي عزيزة" الذي كان آخر ألبوم ليبي صدر لها في 2003 وهو كلمات عبد الله منصور، وقد ربحت أغنية "نفسي عزيزة" جائزة أفضل أداء وكلمات في مهرجان شرم الشيخ بمصر.

أغنية "نفسي عزيزة" الفائزة في المهرجان
http://www.youtube.com/watch?v=b3ZMjXtEu3M

كان اللقاء مع الملحن هاني مهني طريق ذكرى للهجرة إلى مصر عام 1994 بعد 4 أعوام في ليبيا، لتنال مكانتها المستحقة وسط نجوم الأغنية العربية، حيث انتج لها مهنى ألبومين هما "وحياتي عندك" في سنة 1995 والذي نجح نجاحا ساحقا في الوطن العربي ووضع اسمها على قائمة النجوم الكبار، بعدها انتج لها ألبوم "أسهر مع سيرتك" سنة 1996 لكنه لم يلاقي النجاح المطلوب بسبب عدم توفير الدعاية اللازمة، وفي سنة 1997 صدر لها ألبوم من إنتاج "مبجاستار" يحمل اسم "الأسامي" ليعاود النجاح رسم ابتسامتها على وجهها مرة أخرى.
ثم أصدرت ألبوما من إنتاج "فنون الجزيرة" بعنوان "يانا" سنة 2000، وأخيرا ألبوم "يوم عليك" والذي صدر في 2003 قبل وفاتها بثلاثة أيام.
وكان صوت ذكرى هدفا خلال تلك الفترة لكل الملحنين الكبار في الوطن العربي، لتجسيد ألحانهم وتخليدها عبر صوت صار قادرا على أداء أكثر الألحان صعوبة ومنحها تأشيرة نحو أذن المستمع وقلبه.
كذلك قامت أيضاً بغناء العديد من الديوهات مع العديد من الفنانين العرب مثل طلال مداح في أغنية "ابتعد عني" وأبو بكر سالم في أغنية "يا مشغل التفكير" ومحمد عبده في أغنية "حلمنا الوردي" في سنة 2003، ومع الفنان عبد الله الرويشد في أغنية "مافقدتك" صدر بعد وفاتها اواخر 2007، والفنان غيهاب توفيق في أغنية "ولا عارف".
وفي نهاية نوفمبر 2013، وبعد قصة حب قصيرة انتهت بالزواج من رجل الأعمال المصري، حضر صوت ذكرى للمرة الأخيرة حين صرخت وهي تتلقى رصاص مسدس الحبيب، لتبدأ الفرق للمرة الأخيرة، بعيدة عن الوطن وبلد المهجر الأولى داخل مصر بلد الرحيل.

أغنية "ولاعارف" بصحبة إيهاب توفيق
http://www.youtube.com/watch?v=tzVwYH2Jvd0

09‏/10‏/2013

المجد للديفـــــا

"احكي يا شهرزاد ..احكي لشهراير ...طوليله ليله لطلوع النهار"
طفل تلقى كتاب ألف ليل وليلة في عيد ميلاده العاشر في ديسمبر 83 ، وظل يقرأها حتى سمع ذلك الصوت يغني تترات الجزء الأول من المسلسل الذي قامت ببطولته نجلاء فتحي، لم أر حسين فهمي شهرايرا ولم تقنعني نجلاء لكني أيقنت أن هذا الصوت الذي يغني هو نفس صوت الحكايات، يحمل ذات السر وروحه.
******
"قال جاني بعد يومين...يبكيلي بدمع العين، يحكي عن حب جديد، يحكي وأنا ناري يقيد"
أول ألبوم قررت أنا اشتريه بأموالي، انتقلت من مرحلة شراء الحلويات إلى الشرائط، قلبي يتعلم الدق، احب جارة تسكن بجوار فرن العيش، اشتري الخبز لأمي 3 مرات في اليوم، احب طابور الفرن، وفي النهاية أكتشف أنني واحدا ضمن عشرة تحبهم، يحتضني صوت الديفا واستمتع بدموعي على أنغام الأغنية، على الرغم من أن الألبوم صدر قبل المسلسل بعامين، لكني لم أتعرفه إلا في هذا التوقيت.
*******
"مش هتنازل عنك أبدا مهما يكون، ياللي اديت لحياتي في حبك طعم ولون"
ربما يتناسب اللحن الملحمي لتلك الأغنية مع إصرار مراهق يخوض غمار حياته العاطفية وسط رفض عائلي شامل، يخوض حياته بالطريقة التي يراها مناسبة له، وتراها الأسرة غريبة وشاذة، ليست مجرد أغنية عاطفية، بل أسلوب حياة، لشاب صغير قرر أن يعيش حياته كما يحب، وألا يتنازل أبدا عن روحه من أجل الأخرين، الديفا دائما معي على الطريق.
*****
"انساني يا أحلى كلمة على لساني، انساني ..يا أنا ياعمر عشته بالهنا"
على أعتاب الكلية الحربية، أودع جزء من روحي، يعتصرني الألم، أردد تلك الأغنية ليلا ونهارا، طرحت هذا الالبوم عام 90 وبعدها بعام كنت أرتدي الزي الميري، وخلال هذا العام كانت أغنيتي المفضلة في الألبوم هي "غروب وشروق"، لم أتعلق بـ"انساني" سوى بعد دخول الكلية الحربية، أغادر الكلية عام 94 وأنا أغني "وما بين الاتنين ليل عايشينه، عايشينه بشوق".
*******
"عاشقة..يمكن ايوة..يمكن لأ"
ووكمان في الجيب الأمامي لحقيبة أحملها على ظهري أثناء عودتي من الاسكندرية سيرا على الأقدام خلال فرقة الصاعقة في الكلية الحربية، هل تخيلت أن تقضلي ليلة كاملة في السير وأنت فقط تسمع سميرة سعيد لكنك تسمعها من فرط التعب وهي تتسائل معك "خايفة؟"
*******
"كل دي اشاعات وكلام مالهوش عندك اثبات"
الديفا تحتفل بخطوبتي، بعد سنوات من رفض الاسرة للزواج بسبب العديد من الشائعات، ينتهي كل ذلك وأرتدي دبلتي الذهبية، سميرة حاضرة بقوة، لدرجة أن لحن الأغنية الغاضبة كان راقصا يسمح بالاحتفال.
*******
"ليلة حبيبي" و"يوم ورا يوم"
ألبومان صدرا ما بين 2000 و2002، صارت غريبة، لم أعد قادرا على تحمل سماع الأغاني الحديثة بصفة خاصة، توفى والدي ورحل، انتقلت إلى القاهرة صار ارتداء البدلة الميري خانقا لي، حتى سميرة تغني ما لا افهم للمرة الأولى، أحتمى بالأغاني التي تعرفني.
******
"قويني بيك"
شبح ابتسامة، وشوق لا ينتهي لصوت أحبه، أجدها بين ثنايا الالبوم، لكنني عاجز عن التعلق بأغنية حد العشق، يبدو أننا افترقنا، أو أنني فقدت جزء من إحساسي خلال الرحلة، الديفا تتألق في هذا الالبوم، لكنني أخبو.
****
"مازال"
صوت الديفا يزغزغ روح لدرجة أن الابتسامة لم تفارق وجهي منذ سمعت الأغنية وحتى الأن، حمد الله ع السلامة يا سميرة.
روحي تتوهج وصتك يعزف على نغماته الخاصة التي تشبه سحر ألف ليلة وليلة، برناته المبهجة التي علمت الوتر الضحك.

10‏/09‏/2013

عزيــزي "جاك نيكلسون"

ربما لا يعلم جاك نيكلسون أو يهتم لرجل يبكي في الشرق الأوسط على خبر اعتزاله التمثيل لأنه يفقد ذاكرته، ربما حتى لا تسعفه تلك الذاكرة ليعلم أين هو الشرق الأوسط أساساً.
ربما أيضا ليس مهما لصاحب الـ76 عاما أن يعرف أنني منذ رأيت فيلمه "One Flew Over the Cuckoo’s Nest" وقد تغيرت حياتي تماما، صرت فخورا بجنوني، صرت اعلم أن قدرتي على منح السعادة للأخرين تهبني أماني الخاص، والطاقة الكافية للتحرر من سجني، صار لدي دستورا للحياة.
وحين رأيت من بدأ حياته الفنية بدور "جوفر" في سلسلة الرسوم المتحركة الشهيرة " هانا باربارا " يؤدي دور الجوكر في سلسلة "باتمان"، ايقنت أن للشر وجه طيب، وأنننا كبشر لسنا ملائكة، نحمل بداخلنا اللونين وهو ما أكده لي "نيكلسون" عند أدائه لدور الرجل الذئب في فيلم بنفس العنوان.
ربما لا يهتم أحد أنني قررت أن أترك القوات المسلحة بعدما رأيته يؤدي دوره في "A Few Good Men "، حين أدركت تلك الهوة العميقة بيني وبين الفكر السائد لجيوش العالم.
ربما لم يعلم أنني عندما قاربت على الـ40 من عمري أعدت وضع دستوري الشخصي بناء على فيلمه الرائع "The Bucket List"، وقررت أن الحياة لن تعاد مرتين، وعلي أن أموت سعيدا حين يأتي موعدي أيا كانت المعوقات.
لم تكن عزيزي "جاك" تلك المرة الأولى التي أبكي فيها أمامك، في الحقيقة بكيت أمامك منذ 12 عاما حين مات والدي، حين كنت تصور فيلم The Pledge"، حين كنت تحفظ دورك كما اتعدت وتكرره مرارا حتى يثبت في رأسك، وتدع الأداء لما هو أمام الكاميرا.
ذهب والدي يا جاك، رحل كما رحلت ذاكرتك، وبقيت أنا وحدي بدموعي التي لن يراها أحد.

**********
بعدما كتبت هذه القطعة نفى العزيز "جاك" الخبر بابتسامة عريضة، وابتسمت أنا أيضا

31‏/07‏/2013

أرشيفي السينمائي : صلاح أبو سيف.. مخرج «القضايا الخاسرة»


طالب حقوق في قلب مدينة النور «باريس»، يقرأ كتاباً لجوزيف برودون، فيتغير مصيره، وشاب آخر في القاهرة يقرأ كتابًا عن السينما، فيتغير مصيره، ومابين كتاب وثورة خاسرة ولدت أحلام فنانين أسسوا مدارس للواقعية في عالمهم، «جوستاف كوربيه» المولود عام 1819، وصلاح أبو سيف المولود في عام 1915، فما بين الانتكاسة للثورة التي أطاحت بالنظام الملكي الفرنسي سنة 1789، والتي ساهمت في تحولات سياسية واجتماعية كبرى في تاريخ أوروبا، ثم جاء «نابليون بونابرت» عام 1799 وأعاد الملكية ووضع نفسه إمبراطورًا على فرنسا، وثورة 1919 في مصر، وعودة سعد زغلول من المنفى ووضع دستور 1923 والانقلاب عليه في 1936، عاش الفنانان.
تمرد «كوربيه» على المدرسة الكلاسيكية، واهتم بمشاكل المجتمع وذهب إلى رسم العمال والفلاحين والفقراء، واعتبر الرسم فنًا ملموسًا ولا يمكن أن يعبر إلا عن الأشياء الواقعية كما هي دون تجميل، بينما استقى صلاح أبو سيف أصول المدرسة الواقعية من أستاذه كمال سليم قبل أن يطور مفرداته ويؤسس المدرسة الواقعية في السينما المصرية.
ربما كانت ماكينات مصانع غزل المحلة ملهمة، وربما لم يغب هديرها وعمالها عن مخيلة صلاح أبو سيف يوما، ولهذا وبعد انتقاله عن طريق المخرج نيازي مصطفى للعمل في المونتاج في استوديو مصر، لم ينفصل يوماً عن مجتمعه، وبعد تقديم عمله الأول  «دائماً في قلبي» من بطولة عقيلة راتب وعماد حمدي عام 1946 بعد عودته من روما وتأثره بالسينما الواقعية الإيطالية، قدم أول أفلامه الواقعية عام 1951 من إنتاجه بعد أن رفضه النقاد، خوفا من عدم نجاحه، ليحقق فيلم «لك يوم يا ظالم» نجاحاً كبيرا يسمح بتقديم «الأسطى حسن» عام 1952عن قصة لفريد شوقي وسيناريو وحوار السيد بدير و«أبو سيف» والبطولة لفريد شوقي وهدى سلطان، وفيلم «الحب بهدلة» لمحمد أمين وهدى شمس الدين، ثم «ريا وسكينة» في 1953 لأنور وجدي وإسماعيل ياسين، فـ«الوحش» عام 1954 لسامية جمال وأنور وجدي ومحمود المليجي، ثم قدم في عام 1957 «شباب امرأة» لشكري سرحان وتحية كاريوكا وشادية و«الفتوة» لفريد شوقي وتحية كاريوكا وزكي رستم.
رسم «كوربيه» لوحة «جنازة أورنانز» 1850 وقد أحدثت هذه اللوحة جدلا بين الأوساط الاجتماعية، حيث رسم الفلاحين جنبًا إلى جنب مع الأغنياء والقساوسة وفي الحجم الطبيعي، ومنذ ذلك الحين أصبح للفلاحين قوة سياسية ومعنوية كبيرة، مما أثار العداء عليه من قبل الطبقة الحاكمة، وكذلك اعتنق صلاح أبو سيف في كل أفلامه مضطهدي عصره ومهمشيه، فاستعرض مشاكل المرأة في أفلام  «شباب امرأة»، «أنا حرة»، «بداية ونهاية»، «الزوجة التانية»، وكذلك مشاكل الطبقة الوسطى الغالبة على المجتمع في أفلام مثل «القاهرة 30» و«بداية ونهاية» و«القضية 68» الذي عرضه ايضا لاضطهاد السلطة، بينما قدم مشاكل الفلاحين في أفلام مثل «الزوجة الثانية» و«المواطن مصري»، فيما لم تغب الثورة عن الفنان الذي انطلقت مدرسته السينمائية مع ثورة يوليو، ليقدم فيلم «البداية».
ويبقى أهم ما يميز سينما صلاح أبو سيف هو قدرته الفائقة على استخدام الرمز ليعبر عن الواقع، وهو ما جعله على وفاق تام مع الأديب الكبير نجيب محفوظ، الذي كان أحد أعظم من استخدموا الرمز في كتاباتهم، لهذا قدم هذا الثنائي الكثير من الأفلام سوياً ، وكان هو الذي فتحَ باب الاستديو لرفيق الإبداع عام 1945، وقال «أبو سيف» عن ذلك في حديث صحفي: «قلتُ له إنّ في أدبه تعبيراً قوياً بالصور، وبناءً درامياً، وإنّ هذا هو الأساس في السيناريو البناء والتعبير بالصور. وقدمت إليه بعض الكتب الأجنبية عن السيناريو»، ليقدما سويا سيناريوهات أفلام «المنتقم»، «مغامرات عنتر وعبلة»، «لك يوم يا ظالم»، «ريا وسكينة»، «الوحش»، «شباب امرأة»، «الفتوة»، «الطريق المسدود»، «أنا حرة»، «بين السماء والأرض»، وغيرها من الأفلام.
رحل صلاح أبو سيف في 22 يونيو عام 1994، وبقى حاضراً برمزه بيننا حتى الآن، ومن منا لا يرى مشهد الفنان حمدي أحمد بـ«القرنين» في فيلم «القاهرة 30» تعبيرًا صالحًا لكل العصور، ورجل الدين الموالي للسلطة والذي قدمه الفنان حسن البراودي في فيلم «الزوجة الثانية: «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم».
رحل بعد أن قدم 40 فيلما، وعرضت أفلامه في أهم المهرجانات كان وفينيسا وبرلين، واختاره الكاتب والناقد الفرنسي المعروف «جورج سارول» ضمن أهم 100مخرج سينمائي في العالم، حيث ورد اسمه في أول القائمة بأنه المخرج الأكثر مصرية، لتميزه في المعالجة الدرامية التي تعبّر عن «اللون الشعبي» وحرصه على البيئة المصرية بوصفها نموذجًا له تاريخه وقيمته، ومدافعا عن «قضايا مجتمعه الخاسرة».

20‏/07‏/2013

ساكن مطب

قصة من "مجموعة الغابة العربية" نشرت 2006


ارتدى عبدالهادي ملابسه مسرعا عندما ارتفع صوت أذان المغرب وكأنه يسابق المؤذن فيمن ينتهي فيهما أولا.
غادر غرفته متجاهلاً روائح الطعام التي بدأت تتنشر في حارتهم الضيقة في حي السيدة زينب ليلحق بموعد عمله.
أشعل سيجارته الأولى قبل أن يغلق قبضته على العلبة الفارغة ويلقي بها في عرض الطريق قافزا في الأتوبيس الذي بدا فارغا من ركابه بفعل توقيت الإفطار.
وفي "الهيئة" ارتدى عبدالهادي ملابسه الرسمية واستلم عدة شغله وغادر المكان بصحبة زملاء الوردية.
وفي أحد شوارع حي مصر الجديدة استقر به المقام بجوار أعرض مطب في هذا الشارع الكبير، ومع اقتراب أول سيارة، شد عبدالهادي طوله للمرة الأولى هذا اليوم وأمسك بـ"مقشته" قبل أن ينحني بجوار شباك السيارة التي أجبرها المطب على تهدئة سرعتها قائلا بعد أن مد يده : رمضان كريم ياباشا.

18‏/07‏/2013

أنا والنهـــار


ع  الفجر يحلو الكلام ع الليل
والصبح يسابق الزمان كالخيل
 ويهل تاني ليل.. نتمنى الصبح يطلع
 وكأننا عاشقين اللي فات بس......
ابن أدم غبي يستحق الويل
****
طلع النهار يتلفت وكأنه خايف
غمضت عيني قوام قال يعني مش شايف
لاجل ما ينكسفشي النهار..لاجل ياخد راحته
مع إني عارف إن اللي خايف عمره ما كان شايف

****
عمل النهار صاحبي ورمالي ضي تحية
كشرت أنا ف وشه وكأن بينا قضية
 زاد النهار وده ورزاني شمس عفية
غمضت عيني ونمت وعلى وشي ضحكة غبية


21‏/06‏/2013

مقطع من "نوستالجيا" في ذكرى السندريلا


ابتسم رغماً عنه عندما رأى صورتها معلقة على الحائط، صورة ورقية قديمة ترك عليها الزمان أثاره، صبغها باللون الاصفر وغابت ألوانها اعتراضاً على طغيانه الكريه، لكن كل هذا عجز عن منع تلك الملامح الجميلة لصاحبتها...أدرك الاسم منذ وقعت عيناه على الصورة.
ردده محتفظاً بنفس الابتسامة :
- سعاد حسني..حب المراهقة وما تلاها
اجتاحته ذكريات عديدة، درك للتو أنها لما تكن مجرد ممثلة فتنته وشغلت مراهقته بجمالها العبقري، بل صديقة خاصة في صداقة نادرة من نوعها، صداقة من طرف واحد أقتصر دور الطرف الثاني على الفتنة والبهجة وتلك الرسائل التي لم تنقطع يوماً عبر شاشة التليفزيون، عبر افلامها.
حفظ أفلامها منذ نبت شاربه، تابعها ومارس عادته السرية للمرة الأولى على مشهد من فيلم "خللي بالك من زوزو"، وظل يعجز عن كتم ضحكته كلما رأى المشهد بعد ذلك، بدت فاتنة في بدلة الرقص، عجز عن كبح جماح رغبته الوليدة، فار كالتنور، فبقيت ذكرى لا تنسى، لم يعتبرها رسالة ولم تكن، فقط كان بداية الارتباط.
أدرك بعدها أن حبه ليس لجسدها الفائر ودلالها العفوي، بل لروحها التي تملأ الشاشة فتفيض على المشاهدين، وعندها بدأت الرسائل التي لم تنقطع ابداً.
حين كان يجري بحثه الأخير لكتابة روايته عن العسكر، وانشغاله بفكرة كتابة التاريخ الشخصي لأحد كبار القوات المسلحة ودوره السري في حرب افغانستان، وقعت بين يديه نسخة لفيلمها النادر "أفغانستان لماذا؟"، كتب بعدها السيرة دون تردد
حتى في مراهقته يوم اختلف مع أحد اصدقائه على حب فتاة ما، ومابين غضب الرجولة المصطنع، واستخسار الفتاة في الآخر حتى لو كان صديقه، شاهد فيلم "الثلاثة يحبونها" على القناة الثانية عقب صلاة الجمعة ظهر أحد الأيام الشتوية في الثمانينيات، قبل أن يراه بعدها بيومين على جهاز فيديو ابن عمه في سهرة عائلية، فترك الفتاة منفذا رغبة سعاد.
وعندما احتار عند التقديم للكلية الحربية، وشاهد "فيلم للرجال فقط" وأدرك أنه في سبيل الشهادة التي يحلم بها عليه أن يتحمل ما لا يطيق من أجل حلمه، وانتهت الحيرة، حتى عندما غضب ولم يطق الحياة العسكرية، كانت تأتيه في فيلم "أميرة حب أنا" لتغني "بمبي" فتهبه الطاقة والبهجة اللازمة لاستكمال الطريق.
تذكر ايضاً تلك المرة التي كاد يقدم فيها على تنازل من أجل ميزة عسكرية، وعلى الغداء في "ميس" الضباط وقبل أن يبلغ قائده بالموافقة كانت حاضرة لفيلم "القاهرة 30".
وحين قرر أن يترك الحياة العسكرية، بحثاً عن نفسه، كانت حاضرة بفيلم "المشبوه" شاهده مصادفة ثلاث مرات في أسبوع واحد، وقرر البدء من جديد.
عشرات الرسائل لم تتوقف سعاد حسني عن إرسالها له واستقبلها كلها ولم يخب ظنه.
علق صورتها تلك منذ بلغ الثامنة عشر، وعجزت غيرة زوجته عن منعه من تعليق أخرى في غرفة نومهما في منزله الجديد الذي لا يعرف مكانه الآن، لكنه يعرف أنه يحوي صورة سعاد حسني.
غادر الغرفة مسرعاً ليفتح التليفزيون، ويدوس أزرار "الريموت كونترول" بحثاً عن فيلم تعرضه إحدى الفضائيات لها، وقبل أن ييأس بعد مرور نصف ساعة كان على موعد مع فيلم "الحب في الزنزانة" في نصفه الثاني..لم تصله الرسالة تلك المرة...لكنه شاهده حتى غلبه النوم :
وخلال نومه لم يشاهد في أحلامه غير سعاد حسني حاملة منديلها الأخضر خلف القضبان تشير إلى حبيبها حتى يتعرفها.

06‏/06‏/2013

أرشيفي السينمائي: رضوان الكاشف.. شاعر السينما الثائر


لم يكن عامل «الأفيش» الذي عمل على رفع أفيش فيلم «عرق البلح» منتصف ليلة الثلاثاء 22 يونيو 1999، استعدادا لعرضه الأول في اليوم التالي في سينما "أوديون"، يعلم أنه بعد أسبوع واحد سيزيله من على السينما.

كذلك كان حضور صاحبه «رضوان الكاشف» لتلك الدنيا خاطفا، ابن موت كما يحلو للمصريين دائما أن يصفوا هؤلاء العباقرة الذين يخطفهم الموت مبكرا.

كان الطالب السوهاجي الصعيدي الذي ولد في حي السيدة زينب الشعبي عاشقا للشعر، حيث قدم عدة أبحاثا ودراسات في الفلسفة الصوفية عند «ابن عربي» و«ابن الفارض» و«الفارابي»، ثم تخرج ليصدر كتابين عن «عبدالله النديم» كرمز للثورة، وتجديد الفكر عند «زكي نجيب محمود».

عاشق للشعر الصوفي يكتب عن الثورة وتجديد الفكر، هذا هو تماما صانع الأفلام رضوان الكاشف، الذي كان فيلمه الأول «ليه يا بنفسج» أغنية شعرية رقيقة، ثم تبعه بقصيدته الملحمية «عرق البلح» ثائرا على شكل السينما ومجددا في طريقة الفكر فيها.

قدم «الكاشف» قرية مصرية تمردت على الواقع وانفصلت عن الزمان فاحتفظت بشكلها البكر، ومن خلال الهجرة التي يضطر إليها الرجال في هذا العصر، ويمزج «الكاشف» الزمنين، ثم يضيف إليهما زمنا آخر بأسطورة النخلة العالية التي تطرح بلحا أبيض.

يقدم «الكاشف» فيلمه دون زمن محدد، ويستعرض خلاله في صورة شديدة الثراء والعمق العادات الحقيقية للصعيد المصري، فيقدم المرأة ك«حارسة الثقافة وعنصر مقاومة التغير الذي يتجه إليه المجتمع»، لكنه لا يقدم أبطاله كملائكة بل يحملون خطاياهم مثل البشر العاديين.



*****

لم ينجح المعتقل عام 81 في أن يترك أثره على روح حالم مثل رضوان الكاشف، فقط خرج لينضم إلى معهد السينما ليتخرج متصدراً دفعته، وتمنحه وزارة الثقافة جائزة العمل الأول عام 1988عن فيلم «الجنوبية» القصير مشروع تخرجه، الذي يدور حول فتاة حرة ترفض تقاليد المجتمع الذي أجبرها على الزواج ممن تكره ولكنها تمارس الحب المحرم مع مَن تحب، فيكون مصيرها القتل.

ومن أجل أن يقدم حلمه «عرق البلح» المكتوب قبل «ليه يا بنفسج»، اضطر إلى تقديم حلمه الصغير عبر بوابة الواقعية السحرية للفيلم المأخوذ عن رواية «باهيا» للكاتب البرازيلي  «جورج آمادو» .

استعرض الفنان قاع المجتمع المصري بصدق وواقعية ليتم اعتباره أحد رواد الجيل الثاني في السينما الواقعية المصرية، لتنهال عليه الجوائز، ويبقى فيلم «عرق البلح» مجرد سيناريو يصيب من يقرأه بالانبهار مع ملحوظة واحدة متكررة مهما تغير الشخص


وبإصرار الصعيدي الثائر بداخله يخرج «عرق البلح» للنور دون أي تغيير في السيناريو، مع ميزانية محدودة، ويناقش الكاشف قضية الهجرة وعادات المجتمع وآفاته وكيف يكون الحل دائما  «حكاية ولازم تخلص».

وهو نفسه ما فعله المنتجون مع الفيلم الذي استمر عرضه في القاهرة لمدة اسبوع وفي باريس لمدة 6 أشهر.

كشف الثائر عورات المجتمع وشركات الإنتاج، فكان لابد أن «تخلص» الحكاية.

******

قد يكون رضوان الكاشف أقسم خلف الكاميرا عند أول فيلم صوّره في معهد السينما أنه لن يعمل إلا ما يحب، وهو ما فعله طيلة حياته القصيرة، والتي بدى فيها كصرخة في عالم السينما، ومحاولة لنفخ الروح في شكل جديد للصورة السينمائية المصرية من خلال مفردات شديدة المحلية.

وفي فيلمه الأخير «الساحر» كان وكأنه يعرف أنه يودع الجمهور، فأراد أن يكمل رسالته الفنية من خلال نظريته الأهم عن صناعة البهجة من قلب الحزن، ربما خرج مرتبكاً بعض الشيء ولا يشبه قصائد الكاشف السينمائية ولكنه أودع فيه أنفاسه الأخيرة.

رحل رضوان الكاشف في الخامس من يونيو 2002، بعدما قدم 3 أفلام طويلة وفيلما قصيرا و3 افلام تسجيلية في 17 عاما، قدم فيها رؤية إخراجية جديدة منذ أول أفلامه «الجنوبية» للقضاء على الانفصال بين المثقف وواقعه الحقيقي، من خلال حركة الكاميرا «المتأملة» التي تهتم اهتماما مدهشا بعرض التفاصيل ليدفع المشاهد إلى التخلي عن مجرد الفرجة والمشاركة بروحه فيما يشاهد بدرجات مختلفة من خلال اقتراب الكاميرا أو ابتعادها.

ومن خلال فيلميه «الجنوبية» و«عرق البلح» كانت عودة المثقف إلى مسقط رأسه لكي يبدأ حل الأزمة بالجدل والنقاش باعتباره الأقدر عليه.

عليه أن يعود ليفهم ويتعلم ويصبح بعدها ممتلكا لأدوات التغيير المناسبة، بعد أن يتخلص من غروره وتعاليه وإحساسه بأنه الأقدر والأكثر فهما.

وكانت النهاية تشبه نهاية بطله الذي كشف عجز الرجال وقلة حيلتهم، فكان لابد أن يسقطوا عليه عجزهم، ويكبلوه إنتاجيا وتجاريا، وقلب الحالم لا يحتمل، وكما صعد «أحمد مصطفى» بطل «عرق البلح» النخلة البيضاء ولم يعد، غادر رضوان الكاشف هذه الدنيا.

أرشيفي السينمائي: الفلاح في السينما المصرية.. قروي ساذج أو باحث عن هجرة


في بلد بنى حضارته الطويلة عن طريق مهنة الزراعة، تعاملت السينما المصرية بتنميط وسطحية مع «الفلاح» منذ فيلم «زينب» لمحمد كريم سنة 1930، وحتى فيلم «عصافير النيل» للمخرج مجدي أحمد علي سنة 2010.

وظل الفلاح المصري شخصية هامشية في السينما منذ انطلاقها وحتى ثورة 23 يوليو 1952، من خلال بعض الأدوار المساعدة داخل أحد القصور الموجودة في الريف والتي تدور فيها بعض أحداث تلك الأفلام.

ولم تخرج على تلك القاعدة سوى بعض الأفلام القليلة أهمها فيلم «زينب» الذي يستعرض حياة فلاحة بسيطة وقعت في قصة حب وأرغمتها التقاليد على الزواج من رجل آخر، وعلى الرغم أن الفيلم لا يتعرض لحياة الفلاحين بصورة عميقة إلا أنه استعرض بعض العادات الريفية.

إلا أن الفيلم الأهم عن حياة الفلاح في تلك الفترة هو فيلم «ابن النيل» الذي أخرجه يوسف شاهين عام 1951، والذي يستعرض قصة فلاح تمرد على أوضاعه وهاجر تاركاً القرية وانغمس في حياة العاصمة قبل أن يعود لينقذ زوجته التي تركها بعد أن خرج من السجن.

وتشير التقارير الإحصائية إلى أن عدد الأفلام التي تناولت الفلاح والريف المصري بلغ على أفضل تقدير 2.4% من حجم الإنتاج السينمائي في تلك الفترة، في حين كانت الأفلام التي تناولت حياة الليل تشكل 35% من إجمالي عدد الأفلام.

تغير الحال كثيراً بعد ثورة يوليو، حينما أرادت الدولة التحكم في صناعة السينما وتوجيهها لتحقيق أهداف دعائية تخدمها، لتقدم السينما أفلاماً مثل «الوحش» لصلاح أبو سيف 1954 و«صراع في الوادي» ليوسف شاهين  1954 و«أرضنا الخضراء» لأحمد ضياء الدين 1956 و«أدهم الشرقاوي» لحسام الدين مصطفى 1964 و«الحرام» لبركات 1965 و«الزوجة الثانية» لصلاح أبو سيف 1967 و«البوسطجي» لحسين كمال 1968 و«شيء من الخوف» لحسين كمال 1969 و«الأرض» ليوسف شاهين 1970.

ويبدو واضحاً خلال فترة الخمسينيات والستينيات حرص السينما على توضيح الظلم والقهر الذي تعرض له فلاح ما قبل الثورة من خلال الإقطاع والطبقة الحاكمة.

وتبقى أفلام «شيء من الخوف» و«الأرض» و«الزوجة الثانية» أهم أفلام تلك الفترة، حيث استعان الأول برمزية الأرض والفلاح ليهاجم السلطة في ذلك الوقت الذي عانى فيه من الكبت، بينما استعرض الثاني حياة الفلاحين بكامل تفاصيلها الدقيقة بصورة لم يسبق تقديمها في السينما المصرية من قبل، وكان الثالث الأكثر إنسانية وواقعية ولهذا اعتمدت شخصياته ممثلة للريف المصري حتى وقتنا هذا رغم تغير الأوضاع كثيرا، ولم تعد مكونات المجتمع الريفي هي ذاتها التي صورها صلاح أبو سيف عام 1967.

لكن ما يميز تلك الفترة أن نسبة الأفلام التي تناولت الفلاح المصري وصلت لـ 6.9% ، وهي زيادة ملحوظة عن المرحلة الأولى.

ومع انتصاف السبعينيات واتجاه الدولة إلى الانفتاح الاقتصادي، عاد الفلاح ليحتل مكانه الهامشي في خلفية الصورة، ليكتفي بدور المهاجر الساذج الذي يصل إلى القاهرة لينبهر بما فيها، ويقع في مفارقات مضحكة، مثل فيلمي «المتسول» و«عنتر شايل سيفه» لأحمد السبعاوي سنة 1983، أو من خلال الفلاح الساذج الذي يتم تجنيده من خلال فيلم «البريء» لعاطف الطيب.

وتعود نسبة الأفلام المنتجة في الثلاثين عامًا الأخيرة إلى أقل من معدلات المرحلة الأولى، وتصل تقريبًا إلى 2.3% من حجم الأفلام المنتجة.

وتنكر السينما رغماً عنها ولثقافة صناعها القليلة بالريف المصري بعض العادات الاجتماعية المهمة للفلاحين، مثل الأسرة الممتدة، وهي الأسرة التي تضم ثلاثة أجيال يعيشون في بيت العائلة الكبير، وكذلك رغبة الفلاح الدائمة في ألا يرث أبناؤه مهنته، فيحرض على تعليمهم وإلحاقهم بوظائف أخرى بعيداً عن «عار الفلاحة».

ولكن السينما كانت أكثر صدقاً مع الفلاح المصري فيما يخص التعليم، حيث استعرضت في كل مراحلها اكتفاءه بالكُتّاب، وحلمه بعالمية الأزهر من خلال أفلام مثل «شباب امرأة» لصلاح أبو سيف سنة 1956، لكنها دائما ما كانت قضية هامشية وغير رئيسية في موضوعاتها، لكنها لم تهتم نهائيًا بالموضوعات الحياتية الأخرى مثل الصحة والسكن، لدرجة أن الحكومة المصرية اصدرت قراراً عام 1947 يمنع تصوير منازل الفلاحين، ونصَّ على ذلك صراحةً لتدني مستواها.

حتى على مستوى التدين، اهتم السينمائيون بإبراز الجانب الأسطوري في علاقة الفلاحين بالأديان وتصديقهم بالجان والسحر وخضوعهم التام للشيوخ، وأغفوا الجوانب الأخرى في حياة الفلاح الدينية.

لكن كانت خطيئة السينما الكبرى في تشويه العلاقة بين الرجل والمرأة في الريف، حيث أبرزت السلطوية الكاملة للرجل، على الرغم من أن المرأة في الريف تكاد تكون مسؤولة وحدها عن إدارة الحياة، واقتصر دور الرِّجال في بعض الأسر على مجرد العمل بالحقل وكسب المال ومجالس الرجال، ويبدو هذا واضحًا وجليًا للغاية في صعيد مصر.

وكما أنكر المجتمع فلاحيه أنكرتهم السينما، وكما تتقلص مساحة الأرض الزراعية في مصر تتقلص نسبة الأفلام التي تهتم بصُناع حضارتها في الماضي، وكما تجتاح حوائط الطوب الأحمر خضرة الأرض الزراعية التي تم تجريفها خصيصًا من أجله، ينسحب الفلاح من السينما المصرية معتمدًا على الدراما التي حوّلته إلى «إكليشيه» ثابت لا يتغير ولا يشبه الحقيقة نهائياً.