30‏/11‏/2013

أرشيفي الفني .. عن رحيل كفتة : الموت بيريح يا حسن؟

م يختلف طول الطفل الصغير الذي اجتاز عتبات ستوديو مصر لتصوير دور كومبارس صامت في فيلم "العيش والملح" خلف المطرب سعد عبدالوهاب عام 49، عن هذا الكومبارس المتكلم الذي يظهر في مشهدين في فيلم "إتش دبور" عام 2008، او كابتن فريق كرة القدم الأمريكية في مسلسل الكبير قوي مع أحمد مكي عام 2012.
فقط كان الفارق 63 عاما من العمل على الهامش، في خلفية المشهد، قريبا من النجوم دون أن ينال نصيبه من الضوء، تلهبه نار الفن لكنها لا تعطيه أكثر من الحرارة والالم بلا بريق.
ومن على قهوة "بعرة" المقر الرسمي للكومبارس في مصر، حيث يشبه وصول "الريجسير" حلول العيد على قلب الأطفال كان مقر حسن كفتة الدائم، بجسده القصير الذي لم يصل إلى متر ونصف، وملامحه الضخمة التي تعطي وجهه نمطا كاركاتيريا يناسب الأدوار الكوميدية، وزوجا من العيون سكنها الحزن بفعل تصاريف القدر ومتاعب المهنة.
وعبر ما يزيد على ثلاثين عاما، هجر الشاب الذي بدأ يدخل مرحلة الرجولة مهنة التمثيل غاضبا عدة مرات ليمارس مهنا أخرى ثم يعود إليها، حتى قدم مع الفنان محمد صبحي مسرحية "الهمجي"، ثم يضمه ذات يوم الفنان سمير غانم لفرقته المسرحية، مستغلا حجمه وسط مجموعة من الكومبارس في مسرحية "أخويا هايص وأنا لايص"، ليصير المسرح ملاذا أمنا يحصل منه على مرتب شهري ثابت، يعوضه عن سنين طويلة من التقلبات.
ربما لم تشغله ضحكات الجكهور على ما يقدمه على خشبة المسرح، ربما ألمته لأنها كانت ساخرة من حجمه وتناقضه مع عمره، ربما لم يهتم نهائيا سوى بذلك الراتب، لكن المؤكد أنه بدأ العمل فعليا وصار اسما مطلوبا على قهوة "بعرة".
شارك بعدها في العديد من الافلام مثل  «علي سبايسي» مع حكيم، «حريم كريم» مع مصطفى قمر، «الساحر» مع محمود عبدالعزيز، «أصحاب ولا بيزنس» مع هاني سلامة، و«التجربة الدنماركية» مع عادل إمام، حينها بدأ وجه حسن كفتة يغدو معروفا في الشارع، وبدأ يتبرم إذا لم يعرفه أحد، ابتسم الطفل الذي دخل الاستوديو في سن العاشرة قبل 50 عاما كلما طلب منه أحد أن يلتقط معه صورة.
لكنه ظل خجولا حين تحاصر الأضواء كبار النجوم في حفلات العروض الخاصة، كان يحتل ركنا بعيدا يدخن فيه سيجارته في صمت.
وفي النهاية كان على مقعده المفضل في قهوة "بعرة يتحدث عن متاعب المهنة قائلا :«أشعر بالضيق من قلة الأعمال الفنية المعروضة عليّ، وقلة الدخل الذي لا يتعدى المائة جنيه، فيومي يسير متباطئاً وأشعر بملل لا يطاق، ولكن حالتي تتغير تماماً حينما يمر علي أحد المارة ويتعرف علي ويطلب مني صورة تذكارية، فوقتها فقط أشعر بالفخر وبأن السنوات الطويلة التي قضيتها ككومبارس لم تضع هباءً».
كان حسن كفتة ضمن الملايين التي ثارت في 25 يناير، ويتذكره الكثيرون من رفاق الميدان وهو يتقافز طفل صغير فرحا بالتنحي، ربما يتذكره البعض دائما لكنهم ينسونه بمجرد غياب الابتسامة الشاحبة عن وجوههم، ربما يترحم عليه البعض اليوم عقب رحيله بأزمة قلبية أودت بحياته في سن الخامسة والسبعين، الأكيد أن أحدا لن يتذكره غدا، وأن المئات غيره مازالوا على الدرب جلوسا على قهوة "بعرة"، يحلمون بمعاملة أكثر إنسانية، واحترام داخل "لوكيشن" التصوير، ومعاش واجر يليق بمن اضاع عمره بين النجوم السوداء على أمل الشروق.

ليست هناك تعليقات: