26‏/01‏/2014

أرشيفي السينمائي : فيلم «هير»: في كراهية الوحدة


"هناك سبب أخر للإرتجاف غير الخوف والبرد....هو الوحدة"
انتشرت وسائل التواصل الإجتماعي ووسائل الإتصال وتطور العلم كثيرا في هذا المجال لكن بتأثير عكسي، حيث زادت وحدة البشر وانفصالهم عن بعضهم البعض، توحد البعض امام شاشات حاسباته، ودخل البعض في علاقات غرامية وهمية هربا من الوحدة وإليها، وعندما عادوا منها، عادوا يحملون جروحا بلا سبب حقيقي يهون عليهم ألامهم.
قدم المخرج والمؤلف سبايك جونز تلك الفكرة في فيلمه الجديد Her ولكن بطريقة أكثر تطورا، حيث يدخل بطله المطلق والذي يستعد لتوقيع أوراق طلاقه في علاقة غرامية مع نظام تشغيل تم اعداده خصيصا للقضاء على الوحدة بوجود صديق إلكتروني يلبي النداء وقت الحاجة إليه.
وبخيال غير محدود قام جونز بتوفير كل الطقس المناسب لتلك العلاقة الغريبة التي تنتهي بمفاجأة غير متوقعة، صانعا أحد أعظم أفلام هذا العام، وهو فيلمه الروائي الطويل الرابع بعد Where the Wild Things Are، وAdaptation، وBeing John Malkovich، حيث يحلق كما اعتاد دائما خارج السرب بأفكار طازجة للغاية.
سبايك جونز طرح كل رعب الوحدة التي تعاني منها البشرية في 126 دقيقة قادرة على إصابة المشاهد بالإرتجاف.
****
"وحيداً لا تلوك ذكرياتك، ستجعلك أكثر ألماً، الذكريات شوك فراش الوحدة"
يعاني بطل الفيلم الذي يعمل في موقع إلكتروني لكتابة الرسائل بين الناس غير القادرين على التعبير عن مشاعرهم من وحدة مؤلمة عقب انفصاله عن المرأة التي أحبها، وتجبره ظروف عمله على الانغماس في مشاعر بشر لا يعرفهم ولا يعرفونه، على الرغم من امتداد العلاقة بينه وبينهم لأعوام، ويجد نفسه غير قادرا عن التعبير عن مشاعره هو إلا عبر وسيط، وهو ما يدفعه دفعا لتلك العلاقة مع نظام التشغيل الذي اشتراه من أحد المعارض، ليتخلص به من كل هواجس الوحدة وألمها.
وهو ما جسده خواكين فينيكس ببراعة مبهرة بدء من "كاركتر" الشخصية وشكلها وطبيعتها الكئيبة التي تبدو ابتسامتها دائما غريبة عن وجهها، ونجح في تشخيص كل ملامح الوحدة واثرها على الإنسان .
خواكين كان يستحق الترشح لجائزة أفضل ممثل في "أوسكار" لكن هوليوود لا تحبه...فلتبق وحيدا وانسى تلك الذكرى المؤلمة أيها الفنان العظيم.
****
"الوحدة تجبرنا أحياناً على ممارسة ما لا نطيق، هرباً منها"
ظل "ثيودور" بطل الفيلم خجلانا من علاقته الغريبة بنظام التشغيل الذي يتحدث بصوت أنثوي، والذي وقع في غرامه، حتى اكتشف أن صديقته المقربة ايمي والتي لعبت دورها ايمي أدامز على علاقة بنظام مماثل، وحين اكتشف خيانة هذا النظام قبل نهاية الفيلم، كان سبايك جونز يقدم مجموعة من البشر وهي تصعد سلم ما وكل منها مشغول بالحدث مع نظامه، غير ملتفت لمن حوله.
تبشير الفيلم بالوحدة حقيقة مؤلمة، وخوفا من الوحدة يرتكب كلا مننا جرما يؤذي نفسه.
****
"ابتسم عندما تحدث نفسك ولا يجيبك أحد، أصرخ بأعلى صوت لديك لا تخجل و تخشى شيئاً، انفعل ..ارقص..أغضب..غني..مت....أنت وحدك لا تهم أحد ولن يسأل عليك أحد."
مع طوفان المدنية الصناعية التي يستعرضها مخرج الفيلم عبر زجاج غرفة نوم بطل فيلمه، أو حتى من شباك القطار أثناء سفره، وازدياد وحدة البشر، كان بطله يحاول اقتناص المتع الوهمية عبر غرف المحادثة، حيث يصنع كل وحيد عالمه بعيدا عن واقعه، حتى محاولته الوحيدة خلال أحداث الفيلم لإقامة علاقة حقيقة باءت بالفشل نتيجة خوفه من تحمل المسئولية.
تبدو الوحدة حلا لطيفا للهروب من تحمل المسئولية، وأنت وحدك تستطيع فعل كل شيء لا أدنى خسائر إلا نفسك.
****
"شكراً لصناع التليفزيون والتكييف والإنترنت وتلك الأريكة المريحة...أدوات الوحدة اللعينة."
يمكننا أن نضيف على كل مساعدات الوحدة نظام التشغيل الذي قامت بأداءه الصوتي سكارليت جوهانسون ببراعة مدهشة، الذي من أجله استمتع بطل الفيلم بوحدته حتى رحل، واكتشف نفسه وخطأه في النهاية بصحبة صديقته المقربة.
فيلم Her فيلم موجع للغاية، خاصة عندما تنتابك بعض الأحاسيس التي مر بها البطل خلال أحداثه، وعندما تصف أحداث الفيلم أحداثا تشبه حياتنا جميعا أمام نوافذ فيسبوك وتويتر وانستجرام وغيرها، وأمام كل هذا الزحام الذي لا يشعر فيه أحد بالأخر، حتى جلسات الاصدقاء التي يبقى كلا منهم فيها مشغولا بهاتفه أو حاسبه.
فيلم Her  صرخة مرعبة لهذا العالم القميء حتى لا يستسلم لوحدته.

ليست هناك تعليقات: