18‏/01‏/2014

أرشيفي الفني :أنور منسي «موتسارت» مصر معشوق «الكمان»

الأصل في الفن هو العشق، والفنان عاشق بطبعه، ربما هذا ما دفع العواد الأزهري المعروف عبد الوهاب منسي صاحب الكورال إلى السفر إلى العديد من الدول العربية، بحثا عن لقمة العيش متنقلاً من قلب لقلب في كل مدينة صدح فيها عوده وغنت فرقته، حتى وصل إلى القدس في نهاية عام 1919 ليلتقي بـ"الماظ" تلك الفتاة اليهودية ابنة أحد الحاخامات الذين يسكنون المدينة المقدسة، يستقر القلب الرحال وتجبره الظروف على الهروب بحبيبته التي رفض والدها زواجها من رجل يعمل فنانا ومسلما في ذات الوقت.
وفي بغداد عام 1920 أنجبا طفلهما الأول عبدالفتاح، وفي دمشق عام 1922 أنجبا طفلها الثاني أنور، وفي القاهرة وقبل أن يتعلم أنور نطق الكلام بطريقة سليمة كان على موعد يومي مع والده ليعزف في غرفته قبل النوم، حيث كان الأب عبدالوهاب منسي حريصا على أداء بروفاته الفردية داخل غرفة نوم ولديه الصغيرين، الذين ورثا القلب العاشق من والدهما والروح المغامرة من والدتهما والحرية وعشق الموسيقى من الإثنين.
وعندما لاحظ الأب نبوغ الابن في الموسيقى جعله يدرس الموسيقى العالمية عبر الدراسة الأكاديمية لآلة الكمان وهو في سن السادسة على يد العديد من الخبراء في مجال لموسيقى العالمية، فتعلم  أنور على يد مدرس فرنسي يدعى "موسيو ارمناك"، وظهرت علامات نبوغه مبكرًا، واستقطبه القصر الملكي لآداء العزف المنفرد وهو في العاشرة من عمره، وأطلقت عليه صحف القاهرة آنذاك “موزارت مصر”، تشبيهًا له بموهبة موزارت المبكّرة، كان الطفل اصغير يعود بعد كل حفلة في القصر الملكي في سيارة ملكية، حاملا مظروفا به 100 جنيه عام 1932.
وبعد 6 أعوام وعند بلوغه السادسة عشر كان أنور منسي اصغر عازف في فرقة أم كلثوم التي أسسها محمد القصبجي، لكن موهبته الفذة وروحه العاشقة للحرية ولتلك الالة الموسيقية الصغيرة التي استقرت ظاهريا على كتفه وفعليا في قلبه، واعتداده الشديد بكرامته، جعله يترك الفرقة غاضبا بعدما ذاب في "صولو" مع كمانه أثناء أداء الست لإحدى أغنياتها فما كان منها إلا أن نهرته أمام الجمهور والعازفين قائلة : ( ايدك معايا يامنسي ).
وفي منزله وعلى أنغام مقطوعات " باجانيني" التي عشقها فضل الشاب عدم العمل على أن يعتبره أي مطرب أيا كان حجمه مجرد عازف في فرقته، لكنه كان على موعد جديد مع محمد عبدالوهاب، الذي أدرك بذكائه المعتاد موهبة ذلك الفتي، واعتداده بنفسه، فأقنعه على العمل معه، وأسند إليه تلحين مقدمة أغنية "النهر الخالد"

كما أسند له مقدمة أغنية "أنشودة الفن"

http://www.youtube.com/watch?v=A6rlG36CK8U 
http://www.youtube.com/watch?v=BYc1_Ijkg_0 

وفي أغنية "ماليش أمل" التي غنتها ليلى مراد في فيلم "غزل البنات"، اتفق عبدالوهاب تقدير لعازفه المفضل مع أنوروجدي مخرج الفيلم أن تبدأ الأغنية بعزف أنور منسي، وأن يكون العازف الفنان خلال الأغنية ظاهرا خلف ليلى مراد في الشاشة.

http://www.youtube.com/watch?v=N1HZvPhFok0 
بعدها أصبح أنور منسي "صولويست" لكل الفنانين الكبار وصديق لهم مثل أم كلثوم التي تصالح معها ومحمد عبد الوهاب ومحمد فوزي فريد الأطرش، وخلال 12 عاما صار العازف الشاب أهم عازف كمان مصري، ونجح رغم اتهامه بحكم آلته وتعليمه بالانتماء للموسيقى الغربية في دمجها بالموسيقى العربية، وصبغ تلك الآلة الغربية الكلاسيكية بالموسيقى الشرقية وتقاسيمها ومقاماتها.
تزوج من المطربة صباح لمدة 4 سنوات، وأنجب ابنته هويدا عام 1952 ، لكنه سقط من فوق حصانه في سفح الهرم وتوفى على الفور وهو في سن التاسعة والثلاثين، قبل أن يكمل مشواره الفني، كأحد ابناء الموت الذين تركوا بصمتهم في هذا العالم رغما عن عمرهم القصير.


ليست هناك تعليقات: