08‏/03‏/2014

أرشيفي السينمائي ..« 12 Years a Slave»: فيلم رائع يترك اثرا في الروح

«التاريخ يؤكد أن البشرية وضيعة..حافظ على إنسانيتك قدر المستطاع»
لأفلام السير الذاتية دائما مذاق خاص، وكذلك كل الأعمال التي ناقشت التاريخ الاسود للرق، وخاصة العبودية في الولايات المتحدة منذ مسلسل "الجذور" وشخصية "كونتا كنتي" الشهيرة، تلك الأعمال تجعل المشاهد يشعر بالقشعريرة ويخجل من إنسانيته في صمت، مذهولا مما رأى.
وهذا ما يفعله فيلم 12 Years a Slave في المشاهد، وهو يدور حول عازف كمان أسود من مواليد نيويورك ولد حرا، ويتم اختطافه بعيدا عن زوجته وأطفاله بعد خدعة ما، ليعمل 12 عاما كعبد في ولاية جنوبية بعيدة، يتنقل خلالها بين سيدين من البيض، أحدهما أكثر إنسانية من الأخر، لكنهما يشتركان في ممارسة السيادة، ومن خلال أحداث هذا الفيلم التي تدور في منتصف القرن التاسع عشر، يتم كشف جرائم ضد الإنسانية ارتكبها مستعمرو أمريكا البيض ضد العبيد، وهو ما ناضل بسببه بطل الفيلم "سولومون نورثوب" الشخصية الحقيقية التي قدمها الممثل Chiwetel Ejiofor وسعى إلى كشفه بعد هروبه من العبودية، وكتب سيرته الذاتية وساند مواطنيه من العبيد وطارد خاطفيه في المحاكم حتى مات.
وهو ما نجح المخرج ستيف ماكوين في تحقيقه من خلال زوايا التصوير والالسيطرة على أداء الممثلين، وكذلك الكادرات الخاصة بمشاهد العنف والتعذيب والإغتصاب، وربما يكون أول مخرج أسود يفوز بجائزة الأوسكار المرشح لها كأفضل مخرج، لكن يعيب الفيلم فشله في إظهار مرور الوقت (باستثناء العنوان، ونهاية الفيلم حيث يظهر أولاده وقد كبروا )، وتبدو الأحداث وكأنها وقعت فقط على مدى العام، من حيث السرد و الشخصيات.
ويستعين ماكوين بممثله المفضل Michael Fassbender والذي قام ببطولة فيلميه السابقين ليؤدي دور صاحب المزرعة الأبيض القاسي، الذي يحب فتاة سوداء تعمل في مزرعته، ويكره عبيده وتدور بينه وبين زوجته البيضاء مشاكل عديدة بسبب تلك العلاقة الغامضة، وهو ما يلعبه فاسبندر بمهارة شديدة، خاصة تلك المشاهد التي بدا فيها مخمورا يبحث عن البهجة أو غاضبا، والاخرى التي كان يتحول فيا إلى عاشق سادي يحب عبدته المستسلمة لاغتصابه، وهو الدور الرائع الذي لعبته Lupita Nyong'o، وقدمت من خلاله ما تعرض له العبيد المولودين لأباء من عبيد، الذين لا يملكون حرية الحلم إلا بالموت.
أما  Chiwetel Ejiofor بطل هذا الفيلم وشخصيته الرئيسية والذي لم يقدم أدورا حقيقية من قبل في السينما، فهو يعد اكتشافا للمخرج ستيف ماكوين، حيث يملك هذا الممثل طاقة كبيرة وموهبة متميزة وقدرة غير عادية على التمثيل بملامح وجهه، وكذلك عينان مختلفتان، تجبر المشاهد على متابعتهما طول الوقت، مع أداء رقيق ورائع للغاية، وقدرة غير عادية على التمثيل صامتا، بعدما أجبرته ظروف العبودية على إنكار معرفته بالقراءة ولاكتابة، وانكار كل مواهبه عدا العزف على الكمان، ومتابعة ما يحدث دون إمكانية المشاركة فيه، في الحقيقة هوليوود تتستقبل مورجان فريمان جديد.
ولأن مجرد وجوده في أي فيلم لا يمكن إغفاله، يواصل هانز زيمر صناعة موسيقاه التصويرة المدهشة، تلك الموسيقى التي تستطيع إذا أغمضت عينيك على أن ترى الأحداث في مخيلتك، وكأنه يكتب سيناريو لا نوتة موسيقية.
فيلم 12 Years a Slave أحد تلك الأفلام المهمة، التي قد تفوز بجوائز عديدة في الأوسكار، أو لا تفوز، لكنها ستبقى لأنها تكشف أفظع ما في الإنسانية، وتمس قلب المشاهد من خلال سردها وذلك المزيج الفني الرائع الذي تشعر معه في مشهد النهاية، حين كان بطل الفيلم يعتذر لأسرته دون مبرر للإعتذار، أنه يعتذر للمشاهد عن كل هذا الألم الذي لمسه خلال رحلة العبودية التي استمرت 12 عاما.