10‏/09‏/2013

عزيــزي "جاك نيكلسون"

ربما لا يعلم جاك نيكلسون أو يهتم لرجل يبكي في الشرق الأوسط على خبر اعتزاله التمثيل لأنه يفقد ذاكرته، ربما حتى لا تسعفه تلك الذاكرة ليعلم أين هو الشرق الأوسط أساساً.
ربما أيضا ليس مهما لصاحب الـ76 عاما أن يعرف أنني منذ رأيت فيلمه "One Flew Over the Cuckoo’s Nest" وقد تغيرت حياتي تماما، صرت فخورا بجنوني، صرت اعلم أن قدرتي على منح السعادة للأخرين تهبني أماني الخاص، والطاقة الكافية للتحرر من سجني، صار لدي دستورا للحياة.
وحين رأيت من بدأ حياته الفنية بدور "جوفر" في سلسلة الرسوم المتحركة الشهيرة " هانا باربارا " يؤدي دور الجوكر في سلسلة "باتمان"، ايقنت أن للشر وجه طيب، وأنننا كبشر لسنا ملائكة، نحمل بداخلنا اللونين وهو ما أكده لي "نيكلسون" عند أدائه لدور الرجل الذئب في فيلم بنفس العنوان.
ربما لا يهتم أحد أنني قررت أن أترك القوات المسلحة بعدما رأيته يؤدي دوره في "A Few Good Men "، حين أدركت تلك الهوة العميقة بيني وبين الفكر السائد لجيوش العالم.
ربما لم يعلم أنني عندما قاربت على الـ40 من عمري أعدت وضع دستوري الشخصي بناء على فيلمه الرائع "The Bucket List"، وقررت أن الحياة لن تعاد مرتين، وعلي أن أموت سعيدا حين يأتي موعدي أيا كانت المعوقات.
لم تكن عزيزي "جاك" تلك المرة الأولى التي أبكي فيها أمامك، في الحقيقة بكيت أمامك منذ 12 عاما حين مات والدي، حين كنت تصور فيلم The Pledge"، حين كنت تحفظ دورك كما اتعدت وتكرره مرارا حتى يثبت في رأسك، وتدع الأداء لما هو أمام الكاميرا.
ذهب والدي يا جاك، رحل كما رحلت ذاكرتك، وبقيت أنا وحدي بدموعي التي لن يراها أحد.

**********
بعدما كتبت هذه القطعة نفى العزيز "جاك" الخبر بابتسامة عريضة، وابتسمت أنا أيضا

31‏/07‏/2013

أرشيفي السينمائي : صلاح أبو سيف.. مخرج «القضايا الخاسرة»


طالب حقوق في قلب مدينة النور «باريس»، يقرأ كتاباً لجوزيف برودون، فيتغير مصيره، وشاب آخر في القاهرة يقرأ كتابًا عن السينما، فيتغير مصيره، ومابين كتاب وثورة خاسرة ولدت أحلام فنانين أسسوا مدارس للواقعية في عالمهم، «جوستاف كوربيه» المولود عام 1819، وصلاح أبو سيف المولود في عام 1915، فما بين الانتكاسة للثورة التي أطاحت بالنظام الملكي الفرنسي سنة 1789، والتي ساهمت في تحولات سياسية واجتماعية كبرى في تاريخ أوروبا، ثم جاء «نابليون بونابرت» عام 1799 وأعاد الملكية ووضع نفسه إمبراطورًا على فرنسا، وثورة 1919 في مصر، وعودة سعد زغلول من المنفى ووضع دستور 1923 والانقلاب عليه في 1936، عاش الفنانان.
تمرد «كوربيه» على المدرسة الكلاسيكية، واهتم بمشاكل المجتمع وذهب إلى رسم العمال والفلاحين والفقراء، واعتبر الرسم فنًا ملموسًا ولا يمكن أن يعبر إلا عن الأشياء الواقعية كما هي دون تجميل، بينما استقى صلاح أبو سيف أصول المدرسة الواقعية من أستاذه كمال سليم قبل أن يطور مفرداته ويؤسس المدرسة الواقعية في السينما المصرية.
ربما كانت ماكينات مصانع غزل المحلة ملهمة، وربما لم يغب هديرها وعمالها عن مخيلة صلاح أبو سيف يوما، ولهذا وبعد انتقاله عن طريق المخرج نيازي مصطفى للعمل في المونتاج في استوديو مصر، لم ينفصل يوماً عن مجتمعه، وبعد تقديم عمله الأول  «دائماً في قلبي» من بطولة عقيلة راتب وعماد حمدي عام 1946 بعد عودته من روما وتأثره بالسينما الواقعية الإيطالية، قدم أول أفلامه الواقعية عام 1951 من إنتاجه بعد أن رفضه النقاد، خوفا من عدم نجاحه، ليحقق فيلم «لك يوم يا ظالم» نجاحاً كبيرا يسمح بتقديم «الأسطى حسن» عام 1952عن قصة لفريد شوقي وسيناريو وحوار السيد بدير و«أبو سيف» والبطولة لفريد شوقي وهدى سلطان، وفيلم «الحب بهدلة» لمحمد أمين وهدى شمس الدين، ثم «ريا وسكينة» في 1953 لأنور وجدي وإسماعيل ياسين، فـ«الوحش» عام 1954 لسامية جمال وأنور وجدي ومحمود المليجي، ثم قدم في عام 1957 «شباب امرأة» لشكري سرحان وتحية كاريوكا وشادية و«الفتوة» لفريد شوقي وتحية كاريوكا وزكي رستم.
رسم «كوربيه» لوحة «جنازة أورنانز» 1850 وقد أحدثت هذه اللوحة جدلا بين الأوساط الاجتماعية، حيث رسم الفلاحين جنبًا إلى جنب مع الأغنياء والقساوسة وفي الحجم الطبيعي، ومنذ ذلك الحين أصبح للفلاحين قوة سياسية ومعنوية كبيرة، مما أثار العداء عليه من قبل الطبقة الحاكمة، وكذلك اعتنق صلاح أبو سيف في كل أفلامه مضطهدي عصره ومهمشيه، فاستعرض مشاكل المرأة في أفلام  «شباب امرأة»، «أنا حرة»، «بداية ونهاية»، «الزوجة التانية»، وكذلك مشاكل الطبقة الوسطى الغالبة على المجتمع في أفلام مثل «القاهرة 30» و«بداية ونهاية» و«القضية 68» الذي عرضه ايضا لاضطهاد السلطة، بينما قدم مشاكل الفلاحين في أفلام مثل «الزوجة الثانية» و«المواطن مصري»، فيما لم تغب الثورة عن الفنان الذي انطلقت مدرسته السينمائية مع ثورة يوليو، ليقدم فيلم «البداية».
ويبقى أهم ما يميز سينما صلاح أبو سيف هو قدرته الفائقة على استخدام الرمز ليعبر عن الواقع، وهو ما جعله على وفاق تام مع الأديب الكبير نجيب محفوظ، الذي كان أحد أعظم من استخدموا الرمز في كتاباتهم، لهذا قدم هذا الثنائي الكثير من الأفلام سوياً ، وكان هو الذي فتحَ باب الاستديو لرفيق الإبداع عام 1945، وقال «أبو سيف» عن ذلك في حديث صحفي: «قلتُ له إنّ في أدبه تعبيراً قوياً بالصور، وبناءً درامياً، وإنّ هذا هو الأساس في السيناريو البناء والتعبير بالصور. وقدمت إليه بعض الكتب الأجنبية عن السيناريو»، ليقدما سويا سيناريوهات أفلام «المنتقم»، «مغامرات عنتر وعبلة»، «لك يوم يا ظالم»، «ريا وسكينة»، «الوحش»، «شباب امرأة»، «الفتوة»، «الطريق المسدود»، «أنا حرة»، «بين السماء والأرض»، وغيرها من الأفلام.
رحل صلاح أبو سيف في 22 يونيو عام 1994، وبقى حاضراً برمزه بيننا حتى الآن، ومن منا لا يرى مشهد الفنان حمدي أحمد بـ«القرنين» في فيلم «القاهرة 30» تعبيرًا صالحًا لكل العصور، ورجل الدين الموالي للسلطة والذي قدمه الفنان حسن البراودي في فيلم «الزوجة الثانية: «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم».
رحل بعد أن قدم 40 فيلما، وعرضت أفلامه في أهم المهرجانات كان وفينيسا وبرلين، واختاره الكاتب والناقد الفرنسي المعروف «جورج سارول» ضمن أهم 100مخرج سينمائي في العالم، حيث ورد اسمه في أول القائمة بأنه المخرج الأكثر مصرية، لتميزه في المعالجة الدرامية التي تعبّر عن «اللون الشعبي» وحرصه على البيئة المصرية بوصفها نموذجًا له تاريخه وقيمته، ومدافعا عن «قضايا مجتمعه الخاسرة».

20‏/07‏/2013

ساكن مطب

قصة من "مجموعة الغابة العربية" نشرت 2006


ارتدى عبدالهادي ملابسه مسرعا عندما ارتفع صوت أذان المغرب وكأنه يسابق المؤذن فيمن ينتهي فيهما أولا.
غادر غرفته متجاهلاً روائح الطعام التي بدأت تتنشر في حارتهم الضيقة في حي السيدة زينب ليلحق بموعد عمله.
أشعل سيجارته الأولى قبل أن يغلق قبضته على العلبة الفارغة ويلقي بها في عرض الطريق قافزا في الأتوبيس الذي بدا فارغا من ركابه بفعل توقيت الإفطار.
وفي "الهيئة" ارتدى عبدالهادي ملابسه الرسمية واستلم عدة شغله وغادر المكان بصحبة زملاء الوردية.
وفي أحد شوارع حي مصر الجديدة استقر به المقام بجوار أعرض مطب في هذا الشارع الكبير، ومع اقتراب أول سيارة، شد عبدالهادي طوله للمرة الأولى هذا اليوم وأمسك بـ"مقشته" قبل أن ينحني بجوار شباك السيارة التي أجبرها المطب على تهدئة سرعتها قائلا بعد أن مد يده : رمضان كريم ياباشا.

18‏/07‏/2013

أنا والنهـــار


ع  الفجر يحلو الكلام ع الليل
والصبح يسابق الزمان كالخيل
 ويهل تاني ليل.. نتمنى الصبح يطلع
 وكأننا عاشقين اللي فات بس......
ابن أدم غبي يستحق الويل
****
طلع النهار يتلفت وكأنه خايف
غمضت عيني قوام قال يعني مش شايف
لاجل ما ينكسفشي النهار..لاجل ياخد راحته
مع إني عارف إن اللي خايف عمره ما كان شايف

****
عمل النهار صاحبي ورمالي ضي تحية
كشرت أنا ف وشه وكأن بينا قضية
 زاد النهار وده ورزاني شمس عفية
غمضت عيني ونمت وعلى وشي ضحكة غبية


21‏/06‏/2013

مقطع من "نوستالجيا" في ذكرى السندريلا


ابتسم رغماً عنه عندما رأى صورتها معلقة على الحائط، صورة ورقية قديمة ترك عليها الزمان أثاره، صبغها باللون الاصفر وغابت ألوانها اعتراضاً على طغيانه الكريه، لكن كل هذا عجز عن منع تلك الملامح الجميلة لصاحبتها...أدرك الاسم منذ وقعت عيناه على الصورة.
ردده محتفظاً بنفس الابتسامة :
- سعاد حسني..حب المراهقة وما تلاها
اجتاحته ذكريات عديدة، درك للتو أنها لما تكن مجرد ممثلة فتنته وشغلت مراهقته بجمالها العبقري، بل صديقة خاصة في صداقة نادرة من نوعها، صداقة من طرف واحد أقتصر دور الطرف الثاني على الفتنة والبهجة وتلك الرسائل التي لم تنقطع يوماً عبر شاشة التليفزيون، عبر افلامها.
حفظ أفلامها منذ نبت شاربه، تابعها ومارس عادته السرية للمرة الأولى على مشهد من فيلم "خللي بالك من زوزو"، وظل يعجز عن كتم ضحكته كلما رأى المشهد بعد ذلك، بدت فاتنة في بدلة الرقص، عجز عن كبح جماح رغبته الوليدة، فار كالتنور، فبقيت ذكرى لا تنسى، لم يعتبرها رسالة ولم تكن، فقط كان بداية الارتباط.
أدرك بعدها أن حبه ليس لجسدها الفائر ودلالها العفوي، بل لروحها التي تملأ الشاشة فتفيض على المشاهدين، وعندها بدأت الرسائل التي لم تنقطع ابداً.
حين كان يجري بحثه الأخير لكتابة روايته عن العسكر، وانشغاله بفكرة كتابة التاريخ الشخصي لأحد كبار القوات المسلحة ودوره السري في حرب افغانستان، وقعت بين يديه نسخة لفيلمها النادر "أفغانستان لماذا؟"، كتب بعدها السيرة دون تردد
حتى في مراهقته يوم اختلف مع أحد اصدقائه على حب فتاة ما، ومابين غضب الرجولة المصطنع، واستخسار الفتاة في الآخر حتى لو كان صديقه، شاهد فيلم "الثلاثة يحبونها" على القناة الثانية عقب صلاة الجمعة ظهر أحد الأيام الشتوية في الثمانينيات، قبل أن يراه بعدها بيومين على جهاز فيديو ابن عمه في سهرة عائلية، فترك الفتاة منفذا رغبة سعاد.
وعندما احتار عند التقديم للكلية الحربية، وشاهد "فيلم للرجال فقط" وأدرك أنه في سبيل الشهادة التي يحلم بها عليه أن يتحمل ما لا يطيق من أجل حلمه، وانتهت الحيرة، حتى عندما غضب ولم يطق الحياة العسكرية، كانت تأتيه في فيلم "أميرة حب أنا" لتغني "بمبي" فتهبه الطاقة والبهجة اللازمة لاستكمال الطريق.
تذكر ايضاً تلك المرة التي كاد يقدم فيها على تنازل من أجل ميزة عسكرية، وعلى الغداء في "ميس" الضباط وقبل أن يبلغ قائده بالموافقة كانت حاضرة لفيلم "القاهرة 30".
وحين قرر أن يترك الحياة العسكرية، بحثاً عن نفسه، كانت حاضرة بفيلم "المشبوه" شاهده مصادفة ثلاث مرات في أسبوع واحد، وقرر البدء من جديد.
عشرات الرسائل لم تتوقف سعاد حسني عن إرسالها له واستقبلها كلها ولم يخب ظنه.
علق صورتها تلك منذ بلغ الثامنة عشر، وعجزت غيرة زوجته عن منعه من تعليق أخرى في غرفة نومهما في منزله الجديد الذي لا يعرف مكانه الآن، لكنه يعرف أنه يحوي صورة سعاد حسني.
غادر الغرفة مسرعاً ليفتح التليفزيون، ويدوس أزرار "الريموت كونترول" بحثاً عن فيلم تعرضه إحدى الفضائيات لها، وقبل أن ييأس بعد مرور نصف ساعة كان على موعد مع فيلم "الحب في الزنزانة" في نصفه الثاني..لم تصله الرسالة تلك المرة...لكنه شاهده حتى غلبه النوم :
وخلال نومه لم يشاهد في أحلامه غير سعاد حسني حاملة منديلها الأخضر خلف القضبان تشير إلى حبيبها حتى يتعرفها.

06‏/06‏/2013

أرشيفي السينمائي: رضوان الكاشف.. شاعر السينما الثائر


لم يكن عامل «الأفيش» الذي عمل على رفع أفيش فيلم «عرق البلح» منتصف ليلة الثلاثاء 22 يونيو 1999، استعدادا لعرضه الأول في اليوم التالي في سينما "أوديون"، يعلم أنه بعد أسبوع واحد سيزيله من على السينما.

كذلك كان حضور صاحبه «رضوان الكاشف» لتلك الدنيا خاطفا، ابن موت كما يحلو للمصريين دائما أن يصفوا هؤلاء العباقرة الذين يخطفهم الموت مبكرا.

كان الطالب السوهاجي الصعيدي الذي ولد في حي السيدة زينب الشعبي عاشقا للشعر، حيث قدم عدة أبحاثا ودراسات في الفلسفة الصوفية عند «ابن عربي» و«ابن الفارض» و«الفارابي»، ثم تخرج ليصدر كتابين عن «عبدالله النديم» كرمز للثورة، وتجديد الفكر عند «زكي نجيب محمود».

عاشق للشعر الصوفي يكتب عن الثورة وتجديد الفكر، هذا هو تماما صانع الأفلام رضوان الكاشف، الذي كان فيلمه الأول «ليه يا بنفسج» أغنية شعرية رقيقة، ثم تبعه بقصيدته الملحمية «عرق البلح» ثائرا على شكل السينما ومجددا في طريقة الفكر فيها.

قدم «الكاشف» قرية مصرية تمردت على الواقع وانفصلت عن الزمان فاحتفظت بشكلها البكر، ومن خلال الهجرة التي يضطر إليها الرجال في هذا العصر، ويمزج «الكاشف» الزمنين، ثم يضيف إليهما زمنا آخر بأسطورة النخلة العالية التي تطرح بلحا أبيض.

يقدم «الكاشف» فيلمه دون زمن محدد، ويستعرض خلاله في صورة شديدة الثراء والعمق العادات الحقيقية للصعيد المصري، فيقدم المرأة ك«حارسة الثقافة وعنصر مقاومة التغير الذي يتجه إليه المجتمع»، لكنه لا يقدم أبطاله كملائكة بل يحملون خطاياهم مثل البشر العاديين.



*****

لم ينجح المعتقل عام 81 في أن يترك أثره على روح حالم مثل رضوان الكاشف، فقط خرج لينضم إلى معهد السينما ليتخرج متصدراً دفعته، وتمنحه وزارة الثقافة جائزة العمل الأول عام 1988عن فيلم «الجنوبية» القصير مشروع تخرجه، الذي يدور حول فتاة حرة ترفض تقاليد المجتمع الذي أجبرها على الزواج ممن تكره ولكنها تمارس الحب المحرم مع مَن تحب، فيكون مصيرها القتل.

ومن أجل أن يقدم حلمه «عرق البلح» المكتوب قبل «ليه يا بنفسج»، اضطر إلى تقديم حلمه الصغير عبر بوابة الواقعية السحرية للفيلم المأخوذ عن رواية «باهيا» للكاتب البرازيلي  «جورج آمادو» .

استعرض الفنان قاع المجتمع المصري بصدق وواقعية ليتم اعتباره أحد رواد الجيل الثاني في السينما الواقعية المصرية، لتنهال عليه الجوائز، ويبقى فيلم «عرق البلح» مجرد سيناريو يصيب من يقرأه بالانبهار مع ملحوظة واحدة متكررة مهما تغير الشخص


وبإصرار الصعيدي الثائر بداخله يخرج «عرق البلح» للنور دون أي تغيير في السيناريو، مع ميزانية محدودة، ويناقش الكاشف قضية الهجرة وعادات المجتمع وآفاته وكيف يكون الحل دائما  «حكاية ولازم تخلص».

وهو نفسه ما فعله المنتجون مع الفيلم الذي استمر عرضه في القاهرة لمدة اسبوع وفي باريس لمدة 6 أشهر.

كشف الثائر عورات المجتمع وشركات الإنتاج، فكان لابد أن «تخلص» الحكاية.

******

قد يكون رضوان الكاشف أقسم خلف الكاميرا عند أول فيلم صوّره في معهد السينما أنه لن يعمل إلا ما يحب، وهو ما فعله طيلة حياته القصيرة، والتي بدى فيها كصرخة في عالم السينما، ومحاولة لنفخ الروح في شكل جديد للصورة السينمائية المصرية من خلال مفردات شديدة المحلية.

وفي فيلمه الأخير «الساحر» كان وكأنه يعرف أنه يودع الجمهور، فأراد أن يكمل رسالته الفنية من خلال نظريته الأهم عن صناعة البهجة من قلب الحزن، ربما خرج مرتبكاً بعض الشيء ولا يشبه قصائد الكاشف السينمائية ولكنه أودع فيه أنفاسه الأخيرة.

رحل رضوان الكاشف في الخامس من يونيو 2002، بعدما قدم 3 أفلام طويلة وفيلما قصيرا و3 افلام تسجيلية في 17 عاما، قدم فيها رؤية إخراجية جديدة منذ أول أفلامه «الجنوبية» للقضاء على الانفصال بين المثقف وواقعه الحقيقي، من خلال حركة الكاميرا «المتأملة» التي تهتم اهتماما مدهشا بعرض التفاصيل ليدفع المشاهد إلى التخلي عن مجرد الفرجة والمشاركة بروحه فيما يشاهد بدرجات مختلفة من خلال اقتراب الكاميرا أو ابتعادها.

ومن خلال فيلميه «الجنوبية» و«عرق البلح» كانت عودة المثقف إلى مسقط رأسه لكي يبدأ حل الأزمة بالجدل والنقاش باعتباره الأقدر عليه.

عليه أن يعود ليفهم ويتعلم ويصبح بعدها ممتلكا لأدوات التغيير المناسبة، بعد أن يتخلص من غروره وتعاليه وإحساسه بأنه الأقدر والأكثر فهما.

وكانت النهاية تشبه نهاية بطله الذي كشف عجز الرجال وقلة حيلتهم، فكان لابد أن يسقطوا عليه عجزهم، ويكبلوه إنتاجيا وتجاريا، وقلب الحالم لا يحتمل، وكما صعد «أحمد مصطفى» بطل «عرق البلح» النخلة البيضاء ولم يعد، غادر رضوان الكاشف هذه الدنيا.

أرشيفي السينمائي: الفلاح في السينما المصرية.. قروي ساذج أو باحث عن هجرة


في بلد بنى حضارته الطويلة عن طريق مهنة الزراعة، تعاملت السينما المصرية بتنميط وسطحية مع «الفلاح» منذ فيلم «زينب» لمحمد كريم سنة 1930، وحتى فيلم «عصافير النيل» للمخرج مجدي أحمد علي سنة 2010.

وظل الفلاح المصري شخصية هامشية في السينما منذ انطلاقها وحتى ثورة 23 يوليو 1952، من خلال بعض الأدوار المساعدة داخل أحد القصور الموجودة في الريف والتي تدور فيها بعض أحداث تلك الأفلام.

ولم تخرج على تلك القاعدة سوى بعض الأفلام القليلة أهمها فيلم «زينب» الذي يستعرض حياة فلاحة بسيطة وقعت في قصة حب وأرغمتها التقاليد على الزواج من رجل آخر، وعلى الرغم أن الفيلم لا يتعرض لحياة الفلاحين بصورة عميقة إلا أنه استعرض بعض العادات الريفية.

إلا أن الفيلم الأهم عن حياة الفلاح في تلك الفترة هو فيلم «ابن النيل» الذي أخرجه يوسف شاهين عام 1951، والذي يستعرض قصة فلاح تمرد على أوضاعه وهاجر تاركاً القرية وانغمس في حياة العاصمة قبل أن يعود لينقذ زوجته التي تركها بعد أن خرج من السجن.

وتشير التقارير الإحصائية إلى أن عدد الأفلام التي تناولت الفلاح والريف المصري بلغ على أفضل تقدير 2.4% من حجم الإنتاج السينمائي في تلك الفترة، في حين كانت الأفلام التي تناولت حياة الليل تشكل 35% من إجمالي عدد الأفلام.

تغير الحال كثيراً بعد ثورة يوليو، حينما أرادت الدولة التحكم في صناعة السينما وتوجيهها لتحقيق أهداف دعائية تخدمها، لتقدم السينما أفلاماً مثل «الوحش» لصلاح أبو سيف 1954 و«صراع في الوادي» ليوسف شاهين  1954 و«أرضنا الخضراء» لأحمد ضياء الدين 1956 و«أدهم الشرقاوي» لحسام الدين مصطفى 1964 و«الحرام» لبركات 1965 و«الزوجة الثانية» لصلاح أبو سيف 1967 و«البوسطجي» لحسين كمال 1968 و«شيء من الخوف» لحسين كمال 1969 و«الأرض» ليوسف شاهين 1970.

ويبدو واضحاً خلال فترة الخمسينيات والستينيات حرص السينما على توضيح الظلم والقهر الذي تعرض له فلاح ما قبل الثورة من خلال الإقطاع والطبقة الحاكمة.

وتبقى أفلام «شيء من الخوف» و«الأرض» و«الزوجة الثانية» أهم أفلام تلك الفترة، حيث استعان الأول برمزية الأرض والفلاح ليهاجم السلطة في ذلك الوقت الذي عانى فيه من الكبت، بينما استعرض الثاني حياة الفلاحين بكامل تفاصيلها الدقيقة بصورة لم يسبق تقديمها في السينما المصرية من قبل، وكان الثالث الأكثر إنسانية وواقعية ولهذا اعتمدت شخصياته ممثلة للريف المصري حتى وقتنا هذا رغم تغير الأوضاع كثيرا، ولم تعد مكونات المجتمع الريفي هي ذاتها التي صورها صلاح أبو سيف عام 1967.

لكن ما يميز تلك الفترة أن نسبة الأفلام التي تناولت الفلاح المصري وصلت لـ 6.9% ، وهي زيادة ملحوظة عن المرحلة الأولى.

ومع انتصاف السبعينيات واتجاه الدولة إلى الانفتاح الاقتصادي، عاد الفلاح ليحتل مكانه الهامشي في خلفية الصورة، ليكتفي بدور المهاجر الساذج الذي يصل إلى القاهرة لينبهر بما فيها، ويقع في مفارقات مضحكة، مثل فيلمي «المتسول» و«عنتر شايل سيفه» لأحمد السبعاوي سنة 1983، أو من خلال الفلاح الساذج الذي يتم تجنيده من خلال فيلم «البريء» لعاطف الطيب.

وتعود نسبة الأفلام المنتجة في الثلاثين عامًا الأخيرة إلى أقل من معدلات المرحلة الأولى، وتصل تقريبًا إلى 2.3% من حجم الأفلام المنتجة.

وتنكر السينما رغماً عنها ولثقافة صناعها القليلة بالريف المصري بعض العادات الاجتماعية المهمة للفلاحين، مثل الأسرة الممتدة، وهي الأسرة التي تضم ثلاثة أجيال يعيشون في بيت العائلة الكبير، وكذلك رغبة الفلاح الدائمة في ألا يرث أبناؤه مهنته، فيحرض على تعليمهم وإلحاقهم بوظائف أخرى بعيداً عن «عار الفلاحة».

ولكن السينما كانت أكثر صدقاً مع الفلاح المصري فيما يخص التعليم، حيث استعرضت في كل مراحلها اكتفاءه بالكُتّاب، وحلمه بعالمية الأزهر من خلال أفلام مثل «شباب امرأة» لصلاح أبو سيف سنة 1956، لكنها دائما ما كانت قضية هامشية وغير رئيسية في موضوعاتها، لكنها لم تهتم نهائيًا بالموضوعات الحياتية الأخرى مثل الصحة والسكن، لدرجة أن الحكومة المصرية اصدرت قراراً عام 1947 يمنع تصوير منازل الفلاحين، ونصَّ على ذلك صراحةً لتدني مستواها.

حتى على مستوى التدين، اهتم السينمائيون بإبراز الجانب الأسطوري في علاقة الفلاحين بالأديان وتصديقهم بالجان والسحر وخضوعهم التام للشيوخ، وأغفوا الجوانب الأخرى في حياة الفلاح الدينية.

لكن كانت خطيئة السينما الكبرى في تشويه العلاقة بين الرجل والمرأة في الريف، حيث أبرزت السلطوية الكاملة للرجل، على الرغم من أن المرأة في الريف تكاد تكون مسؤولة وحدها عن إدارة الحياة، واقتصر دور الرِّجال في بعض الأسر على مجرد العمل بالحقل وكسب المال ومجالس الرجال، ويبدو هذا واضحًا وجليًا للغاية في صعيد مصر.

وكما أنكر المجتمع فلاحيه أنكرتهم السينما، وكما تتقلص مساحة الأرض الزراعية في مصر تتقلص نسبة الأفلام التي تهتم بصُناع حضارتها في الماضي، وكما تجتاح حوائط الطوب الأحمر خضرة الأرض الزراعية التي تم تجريفها خصيصًا من أجله، ينسحب الفلاح من السينما المصرية معتمدًا على الدراما التي حوّلته إلى «إكليشيه» ثابت لا يتغير ولا يشبه الحقيقة نهائياً.

21‏/05‏/2013

الخرفان المقدسة (القاهرة 2090)


صفرت الرياح عبر ذلك الطريق الترابي المعبد الذي يصل ما بين حي العباسية وما كان يعرف باسم مطار القاهرة، والذي عُلقت على إحدى حوائطه يافطة زرقاء بهت لونها بفعل الزمان، مكتوب عليها طريق "حسن البنا".."صلاح سالم" سابقاً.
واحتمى بعض المارة من تلك الرياح الترابية بالمباني المتهدمة لأرض المعارض، التي تحولت لساحة كبيرة لصلاة العيد خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وتم هدم كل صالاتها ماعدا بعض المباني الإدارية التي قام معها الزمن بنفس الواجب لكنه كان أكثر رحمة فترك أطلالاً .
وعلى الجانب الأخر وعلى "مدد الشوف" احتلت المباني الصاجية التي تسكنها بعض العائلات، والتي تطلق عليها الحكومة "مساكن المشاة"، نسبة إلى رواية قديمة تشير إلى وجود إدارة المشاة وبعض المنشأت العسكرية في تلك المنطقة.
استغل شرطي المرور الذي انتفشت لحيته وتبعثرت بفعل الرمال الدقيقة الناعمة، وتحول لون جلبابه الأبيض إلى اللون الأصفر ذاته الذي غطى السماء ، سكون لحظي للريح ليتيح لبعض الناس عبور الطريق.
عبر بعض الأطفال العراة سريعاً وتبعتهم سيدات ارتدين النقاب ليلحقوا بسيارة الماء التي استظلت ببقايا شجرة قديمة في منتصف الطريق، ولكي يضمن الجندي المسؤول عدم تعطيل الطريق، اكتفى بعد التفاهم مع جندي المرور، على منع الملأ الفردي، وطالب الجميع، بالتجمع عند مسجد "عين شمس" المواجه لنفق العباسية لملأ "الجراكن" من خزانه الكبير قبل صلاة المغرب.
وقبل أن ينصرف الجميع، أطلق شرطي المرور صفارات متقطعة، بينما تسمر جندي المياه مكانه، واحتلت عيون الناس نظرة رعب وحيرة، لينحني الجميع في تتالي - يشبه سقوط قطع الدومينو - ساجدين لقطيع من الخرفان المقدسة التي خرجت من مزرعة "ستاد القاهرة" تريد الكلأ.

25‏/04‏/2013

أرشيفي السينمائي : عبلة كامل إمرأة بدون وجه


يقول المتشائمون أنها انتحرت عام 2002 عن عمر يناهو الـ42 عاماً، بينما يعتبرها الخياليون صاحبة موهبة "السندريلا" التي رحلت عندما دقت عقارب ساعة الألفية الجديدة، بينما يبدو العالمون ببواطن الأمور أكثر غموضاً حين يقولون أنها عندما بلغت سن النبوة أصابتها لعنة شريرة، فتركت أشباح "رقية البدري"، و "تقى"، و"رقية"، و"فاطمة"، و"وداد"، وأخيراً "جليلة" التي امنت بها ورحلت إلى الجانب الأخر من النهر، حيث "فرنسا"، و"عسلية"، و"حنيفة"، و"استفتاح"، تلك الضفة المختلفة التي تجعلك نجماً دون أن تسطع، التي يملك أصحابها القدرة على زيادة الأصفار يمين رصيدك في "البنك" بأوراق سحرية ملونة يسمونها "شيكات"، لا تدفع مقابلها شيئاً سوى المزيد من الرخص.
على الضفة الأولى قبل الهجرة كانت عبلة كامل تتلقى بشارتها الأولى على يد محمد صبحي على المسرح، حين كان راهباً فيه، وكأنه أصابها بلعنته فتبعته في هجرته، قبل ان يلتقطها يوسف شاهين ليقدمها في "وداعا بونابرت"، ومَن  تختاره كاميرا "جو" فقد فاز فوزاً عظيماً.
وما بين سحر رأفت الميهي في "للحب قصة أخيرة" ومزامير إسماعيل عبدالحافظ وأسامة أنور عكاشة في "ليالي الحلمية" كانت تستعد لمكانتها التي تسحقها موهبتها، وبعد ما يزيد عن الأعوام العشرة وهي تنمو كشجرة صبار مثل كل أشجار تلك الضفة التي تنمو ببطء ولكن بجذور أقوى وقدرة لا محدودة على الخلود، وبنهاية فيلم "عرق البلح" أسطورة رضوان الكاشف، قررت أن تقترب من وحل الضفة لتعرف أين يذهب النهر، ربما بحكم تجربتها السابقة في "هستريا" مع أحمد زكي الفنان الوحيد الذي امتلك قارباً خاصاً تنقل فيه بين الضفتين حينما يشاء.
وبفيلم "أشيك واد في روكسي" عام 99 كانت إرادة عبلة أقل إحتمالاً من المد والجزر، وعقب أدائها الأخير في مسلسل أحاديث الصباح والمساء كانت النجمة الموهوبة تودع جمهورها بطاقتها القصوى، كانت صحوة الموت تعطيها بريقاً يليق بموهبة قررت صاحبتها أن تستبدلها بنقود وحجاب.
وخلال ما يزيد عن عشرة أعوام جديدة، على تلك الضفة التي يحكمها "السبكي" وأنصاف المواهب، والتي يحدد بريق نجومها رصيدهم في البنك، كانت موجودة بنفس سوقية "فرنسا" وإبتذال أم اللمبي، كانت كعذراء اختارت بمحض إرادتها أن تزف إلى عريسها على الطريقة "الشعبية".
وتبقى عبلة كامل كأحد القلائل في تاريخ السينما الذين اختلفوا في نهايته، لكن المؤكد أنها ليست العنقاء حتى تنهض مرة اخرى من الرماد، ولا أنها ماتت ويصر "الزومبي" الخاص بها في تعذيب جمهورها، ولا أنها ما زالت حية، لأن سذاجتنا علمتنا أن من باع لا وجه له.

24‏/04‏/2013

الجـزء الثالث : رسالة منسية من الملك

على باب المدينة... يسأله الحراس، لماذا عدت؟
يبتسم ساخراً ويقول أتمنعون الهواء عن الصدور
 أتقدرون على منع تفتح الزهور
عدت ...لأنني حياً ما مت
*****
ترتجف المدينة حزينة... هي جداً حزينة
تخاطب الملك العائد خائفة مرتجفة
لا أعدك بالعرش ولا بالبقاء
لا أضمن حين ينتهي الإنكسار حكم القضاء
يبتسم الملك متفهماً
ينظر بهدوء إلى السماء
يسألها بهدوء عن قدرة رب السماء
عن نبت الأرض الزاهر عن النماء
يروي عن كل المدن المهزومة
التي تتمنى الفناء
عن تلك الأسوار الرمادية التي تحجزها
وتمنع النقاء
عن ظرف يمنع حكم
عن حزن وإكتئاب وانحناء
يطالبها بالكف عن الكلم
عن التفكير، عن تداول الأسماء
يربت على حجر بارز، منقوش بالأنباء
مكتوب فيه أن مليك مدينتنا جاء
جاء ليبقى إن ذهب العرش وصار هواء
فالسكنى لا تعني الملك
وإلا كان الحب محض هراء
يفترش الأرض بلا ضجة بلا إستحياء
ويقول بعلو الصوت، ما للحب من ثمن
ليس هناك أروع من سكنى الوطن
يخاطبها : دعيني أحبك حتى يجلو الوسن
عندها نحطم على مذبح الحب للخوف ألف وثن
وإن قلتي يوما، لا استطيع أن أمنحك العرش
سأنحني محييا ,أصير بعضاً من زمن
ذكريات لا تنسي ولا تهن
لأنه زمن المحن
ويوم تنتصرين
سنبقى ما دام الزمن
****
يخلع التاج ويحدق فيه ملياً ويبتسم
على ملامح وجهه، وجهك يرتسم
ينقسم الملك قلوباً لا تنقسم
يحيط مدينته الغرقى في الألم
يدرك أن ما بها بعضاً من سقم
ينتظر شفاء يرجو ويعتصم
بالحب وسيلته الأولى
بالحب سلاحه الأبقى
بالحب كل ما يبقى
منتصر ولا ينهزم