21‏/06‏/2013

مقطع من "نوستالجيا" في ذكرى السندريلا


ابتسم رغماً عنه عندما رأى صورتها معلقة على الحائط، صورة ورقية قديمة ترك عليها الزمان أثاره، صبغها باللون الاصفر وغابت ألوانها اعتراضاً على طغيانه الكريه، لكن كل هذا عجز عن منع تلك الملامح الجميلة لصاحبتها...أدرك الاسم منذ وقعت عيناه على الصورة.
ردده محتفظاً بنفس الابتسامة :
- سعاد حسني..حب المراهقة وما تلاها
اجتاحته ذكريات عديدة، درك للتو أنها لما تكن مجرد ممثلة فتنته وشغلت مراهقته بجمالها العبقري، بل صديقة خاصة في صداقة نادرة من نوعها، صداقة من طرف واحد أقتصر دور الطرف الثاني على الفتنة والبهجة وتلك الرسائل التي لم تنقطع يوماً عبر شاشة التليفزيون، عبر افلامها.
حفظ أفلامها منذ نبت شاربه، تابعها ومارس عادته السرية للمرة الأولى على مشهد من فيلم "خللي بالك من زوزو"، وظل يعجز عن كتم ضحكته كلما رأى المشهد بعد ذلك، بدت فاتنة في بدلة الرقص، عجز عن كبح جماح رغبته الوليدة، فار كالتنور، فبقيت ذكرى لا تنسى، لم يعتبرها رسالة ولم تكن، فقط كان بداية الارتباط.
أدرك بعدها أن حبه ليس لجسدها الفائر ودلالها العفوي، بل لروحها التي تملأ الشاشة فتفيض على المشاهدين، وعندها بدأت الرسائل التي لم تنقطع ابداً.
حين كان يجري بحثه الأخير لكتابة روايته عن العسكر، وانشغاله بفكرة كتابة التاريخ الشخصي لأحد كبار القوات المسلحة ودوره السري في حرب افغانستان، وقعت بين يديه نسخة لفيلمها النادر "أفغانستان لماذا؟"، كتب بعدها السيرة دون تردد
حتى في مراهقته يوم اختلف مع أحد اصدقائه على حب فتاة ما، ومابين غضب الرجولة المصطنع، واستخسار الفتاة في الآخر حتى لو كان صديقه، شاهد فيلم "الثلاثة يحبونها" على القناة الثانية عقب صلاة الجمعة ظهر أحد الأيام الشتوية في الثمانينيات، قبل أن يراه بعدها بيومين على جهاز فيديو ابن عمه في سهرة عائلية، فترك الفتاة منفذا رغبة سعاد.
وعندما احتار عند التقديم للكلية الحربية، وشاهد "فيلم للرجال فقط" وأدرك أنه في سبيل الشهادة التي يحلم بها عليه أن يتحمل ما لا يطيق من أجل حلمه، وانتهت الحيرة، حتى عندما غضب ولم يطق الحياة العسكرية، كانت تأتيه في فيلم "أميرة حب أنا" لتغني "بمبي" فتهبه الطاقة والبهجة اللازمة لاستكمال الطريق.
تذكر ايضاً تلك المرة التي كاد يقدم فيها على تنازل من أجل ميزة عسكرية، وعلى الغداء في "ميس" الضباط وقبل أن يبلغ قائده بالموافقة كانت حاضرة لفيلم "القاهرة 30".
وحين قرر أن يترك الحياة العسكرية، بحثاً عن نفسه، كانت حاضرة بفيلم "المشبوه" شاهده مصادفة ثلاث مرات في أسبوع واحد، وقرر البدء من جديد.
عشرات الرسائل لم تتوقف سعاد حسني عن إرسالها له واستقبلها كلها ولم يخب ظنه.
علق صورتها تلك منذ بلغ الثامنة عشر، وعجزت غيرة زوجته عن منعه من تعليق أخرى في غرفة نومهما في منزله الجديد الذي لا يعرف مكانه الآن، لكنه يعرف أنه يحوي صورة سعاد حسني.
غادر الغرفة مسرعاً ليفتح التليفزيون، ويدوس أزرار "الريموت كونترول" بحثاً عن فيلم تعرضه إحدى الفضائيات لها، وقبل أن ييأس بعد مرور نصف ساعة كان على موعد مع فيلم "الحب في الزنزانة" في نصفه الثاني..لم تصله الرسالة تلك المرة...لكنه شاهده حتى غلبه النوم :
وخلال نومه لم يشاهد في أحلامه غير سعاد حسني حاملة منديلها الأخضر خلف القضبان تشير إلى حبيبها حتى يتعرفها.

06‏/06‏/2013

أرشيفي السينمائي: رضوان الكاشف.. شاعر السينما الثائر


لم يكن عامل «الأفيش» الذي عمل على رفع أفيش فيلم «عرق البلح» منتصف ليلة الثلاثاء 22 يونيو 1999، استعدادا لعرضه الأول في اليوم التالي في سينما "أوديون"، يعلم أنه بعد أسبوع واحد سيزيله من على السينما.

كذلك كان حضور صاحبه «رضوان الكاشف» لتلك الدنيا خاطفا، ابن موت كما يحلو للمصريين دائما أن يصفوا هؤلاء العباقرة الذين يخطفهم الموت مبكرا.

كان الطالب السوهاجي الصعيدي الذي ولد في حي السيدة زينب الشعبي عاشقا للشعر، حيث قدم عدة أبحاثا ودراسات في الفلسفة الصوفية عند «ابن عربي» و«ابن الفارض» و«الفارابي»، ثم تخرج ليصدر كتابين عن «عبدالله النديم» كرمز للثورة، وتجديد الفكر عند «زكي نجيب محمود».

عاشق للشعر الصوفي يكتب عن الثورة وتجديد الفكر، هذا هو تماما صانع الأفلام رضوان الكاشف، الذي كان فيلمه الأول «ليه يا بنفسج» أغنية شعرية رقيقة، ثم تبعه بقصيدته الملحمية «عرق البلح» ثائرا على شكل السينما ومجددا في طريقة الفكر فيها.

قدم «الكاشف» قرية مصرية تمردت على الواقع وانفصلت عن الزمان فاحتفظت بشكلها البكر، ومن خلال الهجرة التي يضطر إليها الرجال في هذا العصر، ويمزج «الكاشف» الزمنين، ثم يضيف إليهما زمنا آخر بأسطورة النخلة العالية التي تطرح بلحا أبيض.

يقدم «الكاشف» فيلمه دون زمن محدد، ويستعرض خلاله في صورة شديدة الثراء والعمق العادات الحقيقية للصعيد المصري، فيقدم المرأة ك«حارسة الثقافة وعنصر مقاومة التغير الذي يتجه إليه المجتمع»، لكنه لا يقدم أبطاله كملائكة بل يحملون خطاياهم مثل البشر العاديين.



*****

لم ينجح المعتقل عام 81 في أن يترك أثره على روح حالم مثل رضوان الكاشف، فقط خرج لينضم إلى معهد السينما ليتخرج متصدراً دفعته، وتمنحه وزارة الثقافة جائزة العمل الأول عام 1988عن فيلم «الجنوبية» القصير مشروع تخرجه، الذي يدور حول فتاة حرة ترفض تقاليد المجتمع الذي أجبرها على الزواج ممن تكره ولكنها تمارس الحب المحرم مع مَن تحب، فيكون مصيرها القتل.

ومن أجل أن يقدم حلمه «عرق البلح» المكتوب قبل «ليه يا بنفسج»، اضطر إلى تقديم حلمه الصغير عبر بوابة الواقعية السحرية للفيلم المأخوذ عن رواية «باهيا» للكاتب البرازيلي  «جورج آمادو» .

استعرض الفنان قاع المجتمع المصري بصدق وواقعية ليتم اعتباره أحد رواد الجيل الثاني في السينما الواقعية المصرية، لتنهال عليه الجوائز، ويبقى فيلم «عرق البلح» مجرد سيناريو يصيب من يقرأه بالانبهار مع ملحوظة واحدة متكررة مهما تغير الشخص


وبإصرار الصعيدي الثائر بداخله يخرج «عرق البلح» للنور دون أي تغيير في السيناريو، مع ميزانية محدودة، ويناقش الكاشف قضية الهجرة وعادات المجتمع وآفاته وكيف يكون الحل دائما  «حكاية ولازم تخلص».

وهو نفسه ما فعله المنتجون مع الفيلم الذي استمر عرضه في القاهرة لمدة اسبوع وفي باريس لمدة 6 أشهر.

كشف الثائر عورات المجتمع وشركات الإنتاج، فكان لابد أن «تخلص» الحكاية.

******

قد يكون رضوان الكاشف أقسم خلف الكاميرا عند أول فيلم صوّره في معهد السينما أنه لن يعمل إلا ما يحب، وهو ما فعله طيلة حياته القصيرة، والتي بدى فيها كصرخة في عالم السينما، ومحاولة لنفخ الروح في شكل جديد للصورة السينمائية المصرية من خلال مفردات شديدة المحلية.

وفي فيلمه الأخير «الساحر» كان وكأنه يعرف أنه يودع الجمهور، فأراد أن يكمل رسالته الفنية من خلال نظريته الأهم عن صناعة البهجة من قلب الحزن، ربما خرج مرتبكاً بعض الشيء ولا يشبه قصائد الكاشف السينمائية ولكنه أودع فيه أنفاسه الأخيرة.

رحل رضوان الكاشف في الخامس من يونيو 2002، بعدما قدم 3 أفلام طويلة وفيلما قصيرا و3 افلام تسجيلية في 17 عاما، قدم فيها رؤية إخراجية جديدة منذ أول أفلامه «الجنوبية» للقضاء على الانفصال بين المثقف وواقعه الحقيقي، من خلال حركة الكاميرا «المتأملة» التي تهتم اهتماما مدهشا بعرض التفاصيل ليدفع المشاهد إلى التخلي عن مجرد الفرجة والمشاركة بروحه فيما يشاهد بدرجات مختلفة من خلال اقتراب الكاميرا أو ابتعادها.

ومن خلال فيلميه «الجنوبية» و«عرق البلح» كانت عودة المثقف إلى مسقط رأسه لكي يبدأ حل الأزمة بالجدل والنقاش باعتباره الأقدر عليه.

عليه أن يعود ليفهم ويتعلم ويصبح بعدها ممتلكا لأدوات التغيير المناسبة، بعد أن يتخلص من غروره وتعاليه وإحساسه بأنه الأقدر والأكثر فهما.

وكانت النهاية تشبه نهاية بطله الذي كشف عجز الرجال وقلة حيلتهم، فكان لابد أن يسقطوا عليه عجزهم، ويكبلوه إنتاجيا وتجاريا، وقلب الحالم لا يحتمل، وكما صعد «أحمد مصطفى» بطل «عرق البلح» النخلة البيضاء ولم يعد، غادر رضوان الكاشف هذه الدنيا.

أرشيفي السينمائي: الفلاح في السينما المصرية.. قروي ساذج أو باحث عن هجرة


في بلد بنى حضارته الطويلة عن طريق مهنة الزراعة، تعاملت السينما المصرية بتنميط وسطحية مع «الفلاح» منذ فيلم «زينب» لمحمد كريم سنة 1930، وحتى فيلم «عصافير النيل» للمخرج مجدي أحمد علي سنة 2010.

وظل الفلاح المصري شخصية هامشية في السينما منذ انطلاقها وحتى ثورة 23 يوليو 1952، من خلال بعض الأدوار المساعدة داخل أحد القصور الموجودة في الريف والتي تدور فيها بعض أحداث تلك الأفلام.

ولم تخرج على تلك القاعدة سوى بعض الأفلام القليلة أهمها فيلم «زينب» الذي يستعرض حياة فلاحة بسيطة وقعت في قصة حب وأرغمتها التقاليد على الزواج من رجل آخر، وعلى الرغم أن الفيلم لا يتعرض لحياة الفلاحين بصورة عميقة إلا أنه استعرض بعض العادات الريفية.

إلا أن الفيلم الأهم عن حياة الفلاح في تلك الفترة هو فيلم «ابن النيل» الذي أخرجه يوسف شاهين عام 1951، والذي يستعرض قصة فلاح تمرد على أوضاعه وهاجر تاركاً القرية وانغمس في حياة العاصمة قبل أن يعود لينقذ زوجته التي تركها بعد أن خرج من السجن.

وتشير التقارير الإحصائية إلى أن عدد الأفلام التي تناولت الفلاح والريف المصري بلغ على أفضل تقدير 2.4% من حجم الإنتاج السينمائي في تلك الفترة، في حين كانت الأفلام التي تناولت حياة الليل تشكل 35% من إجمالي عدد الأفلام.

تغير الحال كثيراً بعد ثورة يوليو، حينما أرادت الدولة التحكم في صناعة السينما وتوجيهها لتحقيق أهداف دعائية تخدمها، لتقدم السينما أفلاماً مثل «الوحش» لصلاح أبو سيف 1954 و«صراع في الوادي» ليوسف شاهين  1954 و«أرضنا الخضراء» لأحمد ضياء الدين 1956 و«أدهم الشرقاوي» لحسام الدين مصطفى 1964 و«الحرام» لبركات 1965 و«الزوجة الثانية» لصلاح أبو سيف 1967 و«البوسطجي» لحسين كمال 1968 و«شيء من الخوف» لحسين كمال 1969 و«الأرض» ليوسف شاهين 1970.

ويبدو واضحاً خلال فترة الخمسينيات والستينيات حرص السينما على توضيح الظلم والقهر الذي تعرض له فلاح ما قبل الثورة من خلال الإقطاع والطبقة الحاكمة.

وتبقى أفلام «شيء من الخوف» و«الأرض» و«الزوجة الثانية» أهم أفلام تلك الفترة، حيث استعان الأول برمزية الأرض والفلاح ليهاجم السلطة في ذلك الوقت الذي عانى فيه من الكبت، بينما استعرض الثاني حياة الفلاحين بكامل تفاصيلها الدقيقة بصورة لم يسبق تقديمها في السينما المصرية من قبل، وكان الثالث الأكثر إنسانية وواقعية ولهذا اعتمدت شخصياته ممثلة للريف المصري حتى وقتنا هذا رغم تغير الأوضاع كثيرا، ولم تعد مكونات المجتمع الريفي هي ذاتها التي صورها صلاح أبو سيف عام 1967.

لكن ما يميز تلك الفترة أن نسبة الأفلام التي تناولت الفلاح المصري وصلت لـ 6.9% ، وهي زيادة ملحوظة عن المرحلة الأولى.

ومع انتصاف السبعينيات واتجاه الدولة إلى الانفتاح الاقتصادي، عاد الفلاح ليحتل مكانه الهامشي في خلفية الصورة، ليكتفي بدور المهاجر الساذج الذي يصل إلى القاهرة لينبهر بما فيها، ويقع في مفارقات مضحكة، مثل فيلمي «المتسول» و«عنتر شايل سيفه» لأحمد السبعاوي سنة 1983، أو من خلال الفلاح الساذج الذي يتم تجنيده من خلال فيلم «البريء» لعاطف الطيب.

وتعود نسبة الأفلام المنتجة في الثلاثين عامًا الأخيرة إلى أقل من معدلات المرحلة الأولى، وتصل تقريبًا إلى 2.3% من حجم الأفلام المنتجة.

وتنكر السينما رغماً عنها ولثقافة صناعها القليلة بالريف المصري بعض العادات الاجتماعية المهمة للفلاحين، مثل الأسرة الممتدة، وهي الأسرة التي تضم ثلاثة أجيال يعيشون في بيت العائلة الكبير، وكذلك رغبة الفلاح الدائمة في ألا يرث أبناؤه مهنته، فيحرض على تعليمهم وإلحاقهم بوظائف أخرى بعيداً عن «عار الفلاحة».

ولكن السينما كانت أكثر صدقاً مع الفلاح المصري فيما يخص التعليم، حيث استعرضت في كل مراحلها اكتفاءه بالكُتّاب، وحلمه بعالمية الأزهر من خلال أفلام مثل «شباب امرأة» لصلاح أبو سيف سنة 1956، لكنها دائما ما كانت قضية هامشية وغير رئيسية في موضوعاتها، لكنها لم تهتم نهائيًا بالموضوعات الحياتية الأخرى مثل الصحة والسكن، لدرجة أن الحكومة المصرية اصدرت قراراً عام 1947 يمنع تصوير منازل الفلاحين، ونصَّ على ذلك صراحةً لتدني مستواها.

حتى على مستوى التدين، اهتم السينمائيون بإبراز الجانب الأسطوري في علاقة الفلاحين بالأديان وتصديقهم بالجان والسحر وخضوعهم التام للشيوخ، وأغفوا الجوانب الأخرى في حياة الفلاح الدينية.

لكن كانت خطيئة السينما الكبرى في تشويه العلاقة بين الرجل والمرأة في الريف، حيث أبرزت السلطوية الكاملة للرجل، على الرغم من أن المرأة في الريف تكاد تكون مسؤولة وحدها عن إدارة الحياة، واقتصر دور الرِّجال في بعض الأسر على مجرد العمل بالحقل وكسب المال ومجالس الرجال، ويبدو هذا واضحًا وجليًا للغاية في صعيد مصر.

وكما أنكر المجتمع فلاحيه أنكرتهم السينما، وكما تتقلص مساحة الأرض الزراعية في مصر تتقلص نسبة الأفلام التي تهتم بصُناع حضارتها في الماضي، وكما تجتاح حوائط الطوب الأحمر خضرة الأرض الزراعية التي تم تجريفها خصيصًا من أجله، ينسحب الفلاح من السينما المصرية معتمدًا على الدراما التي حوّلته إلى «إكليشيه» ثابت لا يتغير ولا يشبه الحقيقة نهائياً.

21‏/05‏/2013

الخرفان المقدسة (القاهرة 2090)


صفرت الرياح عبر ذلك الطريق الترابي المعبد الذي يصل ما بين حي العباسية وما كان يعرف باسم مطار القاهرة، والذي عُلقت على إحدى حوائطه يافطة زرقاء بهت لونها بفعل الزمان، مكتوب عليها طريق "حسن البنا".."صلاح سالم" سابقاً.
واحتمى بعض المارة من تلك الرياح الترابية بالمباني المتهدمة لأرض المعارض، التي تحولت لساحة كبيرة لصلاة العيد خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وتم هدم كل صالاتها ماعدا بعض المباني الإدارية التي قام معها الزمن بنفس الواجب لكنه كان أكثر رحمة فترك أطلالاً .
وعلى الجانب الأخر وعلى "مدد الشوف" احتلت المباني الصاجية التي تسكنها بعض العائلات، والتي تطلق عليها الحكومة "مساكن المشاة"، نسبة إلى رواية قديمة تشير إلى وجود إدارة المشاة وبعض المنشأت العسكرية في تلك المنطقة.
استغل شرطي المرور الذي انتفشت لحيته وتبعثرت بفعل الرمال الدقيقة الناعمة، وتحول لون جلبابه الأبيض إلى اللون الأصفر ذاته الذي غطى السماء ، سكون لحظي للريح ليتيح لبعض الناس عبور الطريق.
عبر بعض الأطفال العراة سريعاً وتبعتهم سيدات ارتدين النقاب ليلحقوا بسيارة الماء التي استظلت ببقايا شجرة قديمة في منتصف الطريق، ولكي يضمن الجندي المسؤول عدم تعطيل الطريق، اكتفى بعد التفاهم مع جندي المرور، على منع الملأ الفردي، وطالب الجميع، بالتجمع عند مسجد "عين شمس" المواجه لنفق العباسية لملأ "الجراكن" من خزانه الكبير قبل صلاة المغرب.
وقبل أن ينصرف الجميع، أطلق شرطي المرور صفارات متقطعة، بينما تسمر جندي المياه مكانه، واحتلت عيون الناس نظرة رعب وحيرة، لينحني الجميع في تتالي - يشبه سقوط قطع الدومينو - ساجدين لقطيع من الخرفان المقدسة التي خرجت من مزرعة "ستاد القاهرة" تريد الكلأ.

25‏/04‏/2013

أرشيفي السينمائي : عبلة كامل إمرأة بدون وجه


يقول المتشائمون أنها انتحرت عام 2002 عن عمر يناهو الـ42 عاماً، بينما يعتبرها الخياليون صاحبة موهبة "السندريلا" التي رحلت عندما دقت عقارب ساعة الألفية الجديدة، بينما يبدو العالمون ببواطن الأمور أكثر غموضاً حين يقولون أنها عندما بلغت سن النبوة أصابتها لعنة شريرة، فتركت أشباح "رقية البدري"، و "تقى"، و"رقية"، و"فاطمة"، و"وداد"، وأخيراً "جليلة" التي امنت بها ورحلت إلى الجانب الأخر من النهر، حيث "فرنسا"، و"عسلية"، و"حنيفة"، و"استفتاح"، تلك الضفة المختلفة التي تجعلك نجماً دون أن تسطع، التي يملك أصحابها القدرة على زيادة الأصفار يمين رصيدك في "البنك" بأوراق سحرية ملونة يسمونها "شيكات"، لا تدفع مقابلها شيئاً سوى المزيد من الرخص.
على الضفة الأولى قبل الهجرة كانت عبلة كامل تتلقى بشارتها الأولى على يد محمد صبحي على المسرح، حين كان راهباً فيه، وكأنه أصابها بلعنته فتبعته في هجرته، قبل ان يلتقطها يوسف شاهين ليقدمها في "وداعا بونابرت"، ومَن  تختاره كاميرا "جو" فقد فاز فوزاً عظيماً.
وما بين سحر رأفت الميهي في "للحب قصة أخيرة" ومزامير إسماعيل عبدالحافظ وأسامة أنور عكاشة في "ليالي الحلمية" كانت تستعد لمكانتها التي تسحقها موهبتها، وبعد ما يزيد عن الأعوام العشرة وهي تنمو كشجرة صبار مثل كل أشجار تلك الضفة التي تنمو ببطء ولكن بجذور أقوى وقدرة لا محدودة على الخلود، وبنهاية فيلم "عرق البلح" أسطورة رضوان الكاشف، قررت أن تقترب من وحل الضفة لتعرف أين يذهب النهر، ربما بحكم تجربتها السابقة في "هستريا" مع أحمد زكي الفنان الوحيد الذي امتلك قارباً خاصاً تنقل فيه بين الضفتين حينما يشاء.
وبفيلم "أشيك واد في روكسي" عام 99 كانت إرادة عبلة أقل إحتمالاً من المد والجزر، وعقب أدائها الأخير في مسلسل أحاديث الصباح والمساء كانت النجمة الموهوبة تودع جمهورها بطاقتها القصوى، كانت صحوة الموت تعطيها بريقاً يليق بموهبة قررت صاحبتها أن تستبدلها بنقود وحجاب.
وخلال ما يزيد عن عشرة أعوام جديدة، على تلك الضفة التي يحكمها "السبكي" وأنصاف المواهب، والتي يحدد بريق نجومها رصيدهم في البنك، كانت موجودة بنفس سوقية "فرنسا" وإبتذال أم اللمبي، كانت كعذراء اختارت بمحض إرادتها أن تزف إلى عريسها على الطريقة "الشعبية".
وتبقى عبلة كامل كأحد القلائل في تاريخ السينما الذين اختلفوا في نهايته، لكن المؤكد أنها ليست العنقاء حتى تنهض مرة اخرى من الرماد، ولا أنها ماتت ويصر "الزومبي" الخاص بها في تعذيب جمهورها، ولا أنها ما زالت حية، لأن سذاجتنا علمتنا أن من باع لا وجه له.

24‏/04‏/2013

الجـزء الثالث : رسالة منسية من الملك

على باب المدينة... يسأله الحراس، لماذا عدت؟
يبتسم ساخراً ويقول أتمنعون الهواء عن الصدور
 أتقدرون على منع تفتح الزهور
عدت ...لأنني حياً ما مت
*****
ترتجف المدينة حزينة... هي جداً حزينة
تخاطب الملك العائد خائفة مرتجفة
لا أعدك بالعرش ولا بالبقاء
لا أضمن حين ينتهي الإنكسار حكم القضاء
يبتسم الملك متفهماً
ينظر بهدوء إلى السماء
يسألها بهدوء عن قدرة رب السماء
عن نبت الأرض الزاهر عن النماء
يروي عن كل المدن المهزومة
التي تتمنى الفناء
عن تلك الأسوار الرمادية التي تحجزها
وتمنع النقاء
عن ظرف يمنع حكم
عن حزن وإكتئاب وانحناء
يطالبها بالكف عن الكلم
عن التفكير، عن تداول الأسماء
يربت على حجر بارز، منقوش بالأنباء
مكتوب فيه أن مليك مدينتنا جاء
جاء ليبقى إن ذهب العرش وصار هواء
فالسكنى لا تعني الملك
وإلا كان الحب محض هراء
يفترش الأرض بلا ضجة بلا إستحياء
ويقول بعلو الصوت، ما للحب من ثمن
ليس هناك أروع من سكنى الوطن
يخاطبها : دعيني أحبك حتى يجلو الوسن
عندها نحطم على مذبح الحب للخوف ألف وثن
وإن قلتي يوما، لا استطيع أن أمنحك العرش
سأنحني محييا ,أصير بعضاً من زمن
ذكريات لا تنسي ولا تهن
لأنه زمن المحن
ويوم تنتصرين
سنبقى ما دام الزمن
****
يخلع التاج ويحدق فيه ملياً ويبتسم
على ملامح وجهه، وجهك يرتسم
ينقسم الملك قلوباً لا تنقسم
يحيط مدينته الغرقى في الألم
يدرك أن ما بها بعضاً من سقم
ينتظر شفاء يرجو ويعتصم
بالحب وسيلته الأولى
بالحب سلاحه الأبقى
بالحب كل ما يبقى
منتصر ولا ينهزم

05‏/04‏/2013

قصة حقيقية

- وزير الداخلية ع التليفون يافندم
توقف الزمن لحظياً، اتسعت عيناه من فرط الذعر، ازدرد ريقه بصعوبة، حاول التنفس فلم يستطع، فرت قطرة عرق من جبهته ثائرة على برودة التكييف، انتفض جسده دون أن يغادر مقعده، ومع سريان صوت الوزير على الطرف الأخر من الهاتف، تراجع الذعر منكمشاً في مكانه الآمن في روح الرجل، ومع نهاية الجملة الأولى
- مساء الخير يا سيادة الريس
كان قد تذكر موقعه الجديد، فتنهد بإرتياح وابتسم لنفسه رافعاً إصبع يده الأخرى ليقول
- وعليكم السلام ورحمة الله يامحمد.......خير؟
********
أي تشابه بين القصة والواقع حقيقي تماماً بناء على شهادة أحد المقربين.

31‏/03‏/2013

أرشيفي السينمائي : الخواجة بيجو..... الاستسلام للـ"تكشيرة"

"يا اخواتي... يا النافوخ بتاع الأنا"
يدرك البعض عند أول مفترق يقابلهم في "مشوار" حياتهم، أنه أمام إختيارين، إما أن يسعد الناس، ويبقى أسيراً للحزن، وإما أن يترك الناس تسعده، مستطعماً أحزانهم، وأن الطريق ليس فيه سلم صاعد، وأن النجومية بعيدة كما السماء.
الكثيرون يفضلون الدوران للخلف، والبحث عن طرق أخرى، أقل عناءً، القليلون فقط يكملون، متزودون خلال الطربق بزاد من ضحكات الناس وسعادتهم، التي يرسمونها على مهل كفيضان جارف من "خفة الدم"، وبطلنا اليوم والتي تحل ذكرى وفاته السادسة والعشرين ، أحد أهم هؤلاء المضحكين، الذين صنعوا تاريخاً للسعادة في السينما والمسرح المصريين.
الخواجة بيجو، ذلك الضلع الاخر للثنائي المدهش، بيجو وأبو لمعة، واللذين قدما خلال فرقة "ساعة لقلبك" عشرات الاسكتشات الممتعة، التي تعتمد على المبالغة و"الفشر" اللا نهائي لأبو لمعة ( محمد أحمد المصري) ورد فعل الخواجة بيجو المندهش دائماً والصارخ أبداً.
المدهش والعجيب في مسيرة فؤاد راتب، الشهير بالخواجة بيجو، أنه توقف في منتصف الطريق، بعد أن بلغ من العمر 40 عاماً، ليسأل نفسه ماذا بعد، نظر خلفه فرأي آلاف الضاحكين، ومشوار فني تجاوز الخمسة عشر عاماً تحفه ابتسامات وضحكات المشاهدين، ونظر امامه ليجد مستقبلاً غامضاً مخيفاً، رأي إسماعيل ياسين كبير عائلة الكوميديا، يعاني الفقر والديون، عبدالفتاح القصري معلم "الإفيه" يموت معدماً، وغيرهم وغيرهم من محترفي الضحك، الذين يتسرب المال والجاه من بين يديهم وتبقى الحاجة تعتصرهم حتى الموت.
قرر الخواجة أن يرتدي ثوبه الأصلي، كمعلم تلقى تعليمه في كلية المعلمين، ويغادر بحر الفن الهائج الغدار، ويسافر إلى الكويت للعمل كمدرس، منهياً حياة الخواجة بيجو بيده لا بيد الفقر، يشد قبعته ليقذف بها على الأرض قائلاً "يا اخواتي، يا النافوخ بتاع الأنا"، يدفنه على خشبة المسرح، ويمضي، ليحيا بعدها لمدة 20 عاماً كـ"فؤاد راتب" المدرس الذي تحتل وجهه تكشيرة عندما يأخد "ساعة... لقلبه".

أرشيفي السينمائي : عبدالحليم حافظ ..... تامر حسني القرن الـ20

مقال كتبته منذ عام :)

"التاريخ يعيد نفسه"، عبارة شديدة الملل، نرددها كثيراً في حياتنا، ونرددها أكثر في الآونة الأخيرة بعد ثورة يناير، ولأن التاريخ كائن غير مبدع على الإطلاق، لا يمل تكرار نفسه سياسياً، ولا عسكرياً، فإنه يكرر نفسه هذه المرة فنياً، ولكن مع وضع بعض الرتوش اللازمة لإختلاف العصر.
سيعتبر الكثيرون هذا المقال إبتذالاً من الكاتب وتقليل لقيمة حليم، وأغلبهم سيكون من عشاق عمرو دياب، أو مدمني عبدالحليم حافظ، وسيعتبر البعض  -غير القليل بالمناسبة - كاتب المقال عبقرياً وهم عشاق تامر حسني.
ولكن سينسى الجميع أن التاريخ هو من يكتب وليس أنا، مر عبدالحليم حتفظ بظروف شديدة الصعوبة في بداياته منذ طفولته وحتى صعوده لسلم النجاح، وعانى إجتماعياً ومادياً، ذاق الفقر ومرارته، وعرف معناه، وهو ما مر به تماماً تامر حسني - سيلوي أحد القراء شفته السفلى الآن ليقول :الكثيرون مروا بنفس الظروف -، ليخرج له التاريخ لسانه هذه المرة ويعيد تكرار إعتبار تامر حسني ظاهرة شبابية عابرة، كما تم إعتبار حليم، بل وهاجمه القدامى وأعتبروه صاحب نصف موهبة، ومجرد فقاعة ستذهب سريعاً، وهو ما حدث مع تامر تماماً.
استقبلوه بفتور، وقذفوه بالطماطم، وكذلك تم إستقبال تامر بفتور، وهوجم ويهاجم حتى الأن، وشكك الكثيرون في موهبتيهما معاً، ثم قلد الكثيرون طريقته في الأداء وقصة شعره، وطريقة لبسه.
قفزت السينما بحليم إلى مصاف نجوم الصف الأول، وصار أنجح المطربين تمثيلا، وهو ما فعله تامر حسني بعده بنصف قرن، ليعيد تقديم نفسه لجمهوره كأنجح مطربي عصره سينمائياً.
يدور بين حليم ومحمد عبدالوهاب صراع ينتهي بأن يحتضن عبدالوهاب بذكائه عبدالحليم، ويعيد تقديمه بألحانه، وصراع آخر بين حليم وأم كلثوم، وآخر مع فريد الأطرش، في دائرة لم تنتهي من صراعات العندليب، ونرى ذلك الصراع الفريد بين تامر وعمرو دياب، والذي لا تنقطع أخباره وجولاته - إن كنت أشك أن يحتضن دياب، تامر حسني يوما -، وصراع آخر مع عمرو مصطفى، وأيمن بهجت قمر.
على الصعيد العاطفي، مر حليم بالعديد من التجارب، وعشرات الإشاعات، وهو ما يمر به تامر حسني تماماً، ويظل أعزباً حتى النهاية، فهل سيبقى حسني؟
إمرأة واحدة في حياة كلاً منهما ساهمت في صنع شخصيته ونجاحه... علية أخت حليم، ووالدة تامر حسني.
كلاهما طور شكل الموسيقى حسب عصره، حليم جعل الإحساس عنصراً اساسياً في الأغنية، وتامر اضاف "الإفيه" اللفظي لكلمات الأغاني لتتشابه مع الكلام الذي نتداوله يومياً، بعدما كانت الأغنية منفصلة تتحدث عن الشهاب ولهاليبوا وسلاني بعدما هجوته.
كلاهما يبلغ الذكاء نصف موهبته، ولكن يبقى لتامر أن يستعين بعدد من الموهوبين أكثر، خارج دائرته المحدودة، كما فعل حليم بعد تعامله مع الموجي والطويل لفترة كبيرة، وكذلك عليه أن يتوقف عن التأليف والتلحين لفترة.
ولكن ما فشل التاريخ في إعادته بالفعل، هو أن كلاً من المطربين، عاصر ثورة، حليم صار ابن ثورة 52، وصار صوته الصارخ، بينما لم ينضم تامر لثورة يناير، وفشل في أن يعود إليها.
أعزائي القراء قد يعجبكم المقال، وقد تكرهون كاتبه، لكنها الحقيقة، كلاهما فنان مختلف، له عشاق ومريدين، وكارهين، وكلاهما ترك وسيترك بصمة تاريخية لن يمحوها تجاهلها.

29‏/03‏/2013

أرشيفي السينمائي : عن أحمد زكي في ذكراه: تعيش وحدك.. وَتَمُوتُ وَحْدَكَ.. وتبقى معنا

مقدمة لا داعي لقراءتها :

تقول الأسطورة : لو عاش أحمد زكي لوقف ضد الثورة، وخسر شعبيته وجماهيريته
ويقول الواقع : أن من وقفوا ضد الثورة لم يخسروا شعبيتهم، فقط تعرضوا للعزل بعض الوقت ثم عادوا مرة أخرى.
ويقول المنطق : عليك أن تحاسب الفنان على فنه، لا توجهه السياسي ولا سلوكه الشخصي.
وأقول أنا : كل ما سبق سببه نية زكي تقديم فيلم عن مبارك تحت عنوان "الضربة الجوية"، بعد تقديمه "ناصر 56"، و"أيام السادات"...ملحوظة مبارك لم يحب ناصر ولا السادات.

المحطة الأولى ..تَمْشِي وَحْدَكَ ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ :

طفل فقد أباه قبل أن يعرفه، تزوجت والدته فرباه جده، لا بيت دائم ينسج فيه الطفل الأسمر شخصيته على "نول" أب وأم، فقط ضيف مستمر على مكان لا يرتاح فيه الضيوف، البيت هو المكان الأكثر راحة في الوجود، وهو ما يضطر زكي للبحث عن عالم آخر لا وحدة فيه، عالم يتوحد هو به، ومع نمو وعي الطفل الوحيد، الذي لم يكون أصدقاء في الحي ولا المدرسة، كان العالم الخيالي، التقمص هو الحل، انتحال عشرات الشخصيات، بدأ بالتقليد وانتهى بالتقمص الكامل.
وبقبوله في معهد الفنون المسرحية لدراسة التمثيل والإخراج، كانت الوحدة قد ترسخت لتكون بيتاً، وصار التقمص رسالة يؤديها المغترب دائماً بحثاً عن وطن.
*******
المحطة الثانية ... من الفشل الأول.. تتشكل ملامح النجاح:
الممثل النحيل الأسمر الصامت يخطو بقوة على المسرح، الذي يوفر له حالة يومية من التقمص، لكن السينما ذلك العالم الفضي المقدس مازال صعب المنال، أدواراً متناثرة في أفلاما رخيصة عن حرب أكتوبر، أو استنساخ لنجاح مسرحي، ولكن المخرج على بدرخان يهبه الفرصة الأولى، بطلاً لـ فيلم "الكرنك"، رواية نجيب محفوظ، التي تقوم ببطولتها سعاد حسني عام 1975.
ربما ابتسم أحمد زكي وشعر بالسعادة كما لم يشعر من قبل، ربما تخلى للمرة الأولى عن كآبة أحمد الشاعر في مسرحية "مدرسة المشاغبون"، وبعد ثلاثة ايام من بدء التصوير يرفض جمال الليثي المنتج أن يستكمل دوره بحجة أنه لا يصلح لتقديم دور الحبيب أمام سعاد.
تخلى "إسماعيل الشيخ" عن أحمد زكي، تركه وحيداً بعد عشرة ثلاثة أيام لا غير، بيت لم يكد يسعه حتى لفظه، ولفظه معه العديد من الأدوار التي تراجع منتجوها خوفاً وجبناً.
********
المحطة الثالثة ...من الساعة دي ليالي النوح مولية:
مَن يقدم عبقرياً وحيد مثل طه حسين سوى أحمد زكي، قدم يحيى العلمي بيتاً جديداً للنجم الأسمر، بيتاً يدخل به كل بيت في مصر، حين كان التليفزيون الرسمي وحيداً هو الأخر، بقناتين ومسلسل واحد في الثامنة مساء كل يوم.
ومع السيرة الذاتية لعميد الأدب العربي يبدأ أحمد زكي في وضع لبنات مدرسته الخاصة المتفردة في فن الأداء التمثيلي والتشخيص، لم يكن ساعتها النجاح عسيراً بل كان طبيعياً، لم تعد الثقة لأنها لم تذهب، فقط وضع قدماً حقيقية على طريق ينتظره.
هذا الفنان الموهوب الذي قلد محمود المليجي - أعظم ممثل مصري في رأيي - على خشبة المسرح في بداياته في مسرحية "هاللو شلبي"، يستعد ليكون الأعظم.
ينطلق زكي ليقدم بعدها "الباطنية"، "أنا لا أكذب ولكني أتجمل"، "طائر على الطريق"، "الليلة الموعودة"، "الراقصة والطبال".
المدرسة تستعد لناظرها الأول بعد انتهاء التجهيزات.
********
المحطة الرابعة...ربما يكون الطريق مجهولا..لكن الدليل معروف:
يقول تشي جيفارا : انني أحس على وجهي بألم كل صفعة توجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني، وهكذا كان عاطف الطيب الذي أينما وجد الظلم كانت أفلامه، مخرج مصري حلم صغيراً أن يكون ممثلاً، قبل أن يكتشف أن السر في الصنعة يعود للمخرج، فقرر أن يصبح مخرجاً وعندما التقى بأحمد زكي أظنه هتف :وجدتها.
ربما تشكلت الرؤية الثورية عن أحمد زكي من أفلام الطيب "البريء"،"الحب فوق هضبة الهرم"، "ضد الحكومة"، وهو خطأ دارج يقع فيه متابعو السينما نتيجة سيطرة النجم حاليا على العمل الذي ينسب عالميا للمخرج.
الناظر عاطف الطيب هو من أضفى روحه على مدرسة أحمد زكي التمثيلية، المنهج الإنساني العاطفي الثوري لعاطف وجد أرضاً خصبة في موهبة زكي، وسيطر عليها ووجها.
ربما لم ينسى النجم الأسمر حتى موته، مشهد دخوله المستشفى في فيلم "ضد الحكومة" الذي أعاد الطيب تصويره للمرة الثانية ثم صرخ بصوته المجهد cut، أطبع، فأسرع إليه طالباً إعادة المشهد للمرة الثالثة، وبعد اعادته، سأله عاطف : مبسوط بالتالت يا أحمد، فهز رأسه موافقاً، فأشار الطيب لمساعديه اطبع 2 وأرمي الباقي.
المدرسة صاحبة الإمكانيات انتقلت بعدها لنظار مثل محمد خان ، وداود عبدالسيد وشريف عرفة - حين كان شريف عرفة -، وظلت ذات تربة خصبة للتشكيل والغبداع الذي لا يتوقف.
*******
المحطة الخامسة .... أكل العيش مُر:
الناقد والمهتم بالسينما يستطيع الجلوس في سريره أمام شاشة التليفزيون أو اللاب توب حالياً، أو الخروج في نزهة للذهاب إلى السينما وغبداء رأيه بمنتهى الأمانة في ضعف المستوى الفني لفيلم ما، لكن أحمد زكي لم يكن مهتماً لهذه الاراء، كان يعرف جيداً أنه لا يجيد أي شيء في الدنيا سوى التمثيل، حتى الحب والزواج فشل فيهما، حتى ذلك الحلم البسيط لدى أي رجل بتكوين منزل وأسرة، فشل الوحيد دائماً في تحقيقه، وحده التقمص يحقق النجاح، ربما يقولون أحب سعاد حسني وأختلفا، لكنهم لا يعلمون أن كلاهما تقمص الحب في حضرة استاذها سويا صلاح جاهين، وعندما انتهى التقمص ذهب كلاً منهما في طريقه، تقمص بعدها دور الزوج، لكنه لم ينجح، فغادره مسرعاً.
اضطررته لقمة العيش أن يقدم أفلاما دون المستوى، حرص بذكاء فطري على أن يكون أغلبها كوميدياً، أو تمتزج فيه الحركة بالكوميديا، حتى فيما كان دون المستوى كانت الاختيارات محددة.
لم ينكر هذا ابداً ، بل كان فخوراً به، يقدم هذا ليستطيع تقديم ما يحب، لم يقلل هذا من مكانته، بل زادت قاعدته الجماهيرية ووصلت لمستويات أخرى من الجمهور، شاهد افلامه بمستويات أخرى من التلقي.
ومن كان منا بلا خطيئة فليرمه بحجر، الفنان يخطئ ويصيب، ولكن لا خلاف على أكل العيش، حتى لو صدقناه يوماً حين قال في مرافعته في فيلم "ضد الحكومة" : كلنا فاسدون.
********
المحطة الأخيرة ...لو لم يتبق من ممثل إلا مشهد لكفاه:

نختلف كثيراً حول قيمة هذا الفنان أو ذاك، نحاول توحيد القياسات لكننا نفشل أمام الإبداع، لم يخترعوا بعد وحدة لقياسه، يبقى فقط وحدة القياس الجماهيري التي تشير في حالة أحمد زكي إلى أنه فناناً مختلفاً، جيل وحده، ومدرسة فنية متفردة، لم تتكرر على الرغم من العديد من المواهب الاسفنجية الحالمة بشكل النجم الأسمر، ربما تنكره القلة، لكن أمام فيلم كـ"الهروب" لن يستطيع أحداً أن يخفي تعاطفه مع "منتصر"، وأمام "البريء" مع أحمد سبع الليل، أيضاً "عبد السميع" في "البيه البواب"، وغيرها وغيرها.
في النهاية لم يكن ساكن الفنادق الأول في مصر، الوحيد دائماً، صاحب الجلسة الشاردة على مقهى "الجريون" في شارع قصر النيل ينتظر لحظة تقييمه، أو يفكر فيها، فقط كان الباحث عن دار تأويه، يرغب حتى لحظته الأخيرة في التقمص من أجل القضاء على الوحدة.
وربما لا يدرك الموت حتى الآن أن أحمد زكي ربما كان متقمصاً حالته، لأنه مازال معنا، وسيبقى.
عزيزي أحمد زكي : وحدتك انتهت لتبدأ وحدتنا.