
تعد قصة دوريان جراي، أسطورة من الأساطير التي كتبها الروائي أوسكار وايلد، والتي تناول فيها حكاية اللورد هنري وتون الذي دخل على صديقه الرسام باسيل هولورد فرآه مندمجا في رسم بورتريه لشخص رائع الجمال وشاب وسيم اسمه دوريان جراي.
كان «باسيل» قد تعرف عليه مؤخرا وأعجب به لروعة شخصيته وجاذبيتها ودماثة أخلاقه، فلا يمر يوم دون أن يراه ويتحدث معه، ويقول عنه: «في وجهه شيء يجعلك تثق به».
ويتعرف الاثنان بدوريان جراي الذي «يهيم عشقا بصورته»، على الرغم من أن الصورة تتغير رويدا رويداً مع الوقت وتظهر على ملامحها القسوة وملامح الزمن وكأنها رمز لفساد روحه كلما زادت أخطاؤه، حتى يطعن الصورة يوما بخنجر فيموت على أثرها.
يشبه هذا كثيرا الدكتور مصطفى حجازي الخبير الدولي في مجال التطور المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي وحوكمة الكيانات الاقتصادية والاجتماعية، وصاحب دعوة إحياء التيار الرئيسي المصري، الذي كان أول من أصّل لمعنى «أنسنة الإدارة» في الثقافة المؤسسية للشركات في منطقة الشرق الأوسط، والذي تم تعيينه مستشارا للشؤون الإستراتيجية للرئيس المؤقت عدلى منصور في أعقاب عزل محمد مرسي عن رئاسة مصر.
ولد مصطفى حجازي في القاهرة ودرس فيها حتى سافر إلى الولايات المتحدة للحصول على دكتوراةه الفلسفة في الهندسة والإدارة الاستراتيجية للأزمات من جامعة جنوب كاليفورنيا، وعمل أستاذًا للإدارة والفكر الاستراتيجي والتطور المؤسسى في جامعة جنوب كاليفورنيا، ثم صار خلال العقد الأول من الألفية الجديدة أحد أهم منظري التنمية البشرية في مصر.
وما بين ثورة وضحاها، ومقعد في السلطة للمرة الأولى كمستشار لرئيس مؤقت، يتحول خبير التنمية البشرية عن وجهته، وبعد عرض ساحر من خلال مؤتمر صحفي رطن فيه «حجازي» باللغة الإنجليزية بطلاقة، ولقاء تليفزيوني مع الإعلامي محمود سعد، يتحول إلى «أيقونة ذكورية» تتحدث عنها نساء مصر بوله وإعجاب، ليصل الأمر بالبعض إلى ترشيحه ليجلس على مقعد الرئاسة في مصر عند أول انتخابات.
«دوريان جراي» المصري، في أول تصادم حقيقي بين الثورة والسلطة التي صار يمثلها، يرد في غضب أن المظاهرات التي جاءت به ومن معه إلى تلك السلطة تهدف إلى هدم الدولة، التي يمثلها أيضًا، لكنه لا يلحظ هذه المرة كـ«صاحب الأسطورة»، التغير الواضح في صورته، منذ برر فض اعتصام «رابعة العدوية» أمام المجتمع الدولي والمحلي، وحان الوقت ليبرر «اعتقال المتظاهرين» وحفاظا على الدولة، وأن ذلك يتماهى مع صورة رواية أوسكار وايلد بملامح لم تعد تشي بالثقة في غياب أي «أنسنة» للإدارة.

لم يكن هذا المنزل العريق غريبا على كل سكان المنطقة، الذين يدركون جيدا قيمته وأصالته، حتى لو أصابت حوائطه بعض التشققات وزال لونها بفعل الزمان الذى لا يرحم، ولم يكن الجيران بمعزل عما يجرى داخل البيت من إعادة ترتيب، لدرجة أن بعضهم حاول التدخل فيها، بحجة الجيرة تارة وبلعبة المصالح تارة أخرى.
حتى العائلة الكبرى التى تنتمى إليها تلك العائلة التى تسكن المنزل، انقسمت حول سكانه فرقا وشيعا كثيرة، والعجيب أن كل فرقة عادت الأخرى، ولم تحاول مجرد الاقتراب منها.
وفى الداخل جلس الجد العجوز المتصابى بتلك التجاعيد التى جعلت وجهه أشبه بجذع شجرة عجوز، وأشار صفار أسنانه وتلك النظرة الماكرة فى عيونه الضيقة مع هذا الجاكيت الأخضر والبنطلون الأحمر ومعهما القميص الأصفر الذى تزينه رابطة عنق أرجوانية إلى مهنة الرجل السابقة كـ«قواد» محترف، يتحدث إلى أحفاده التسعة المختلفين دائما وأبدا بوصفه مرجعيتهم وجدهم.
لكنه كان يعرف جيدا أنهم لا يحترمونه، بحكم تلك المهنة التى مارسها منذ ظهوره للحياة عام 60، كان «التليفزيون الرسمى» يعلم أن أحفاده لن يتفقوا على شىء إلا احتقاره، لهذا استمر فى الحديث دون أن يسمعه أحد، فقط الكل متوجس من الآخر.
على الجانب الآخر على تلك الأريكة القديمة بجوار النافذة جلست «ريم» الحفيدة الأكبر سنا والتى يعرفونها باسم «دريم» بعد أن فاتها قطار الزواج، دون أن يشغلها الحوار الدائر بين إخوتها، فقط وأمام مرآة صغيرة أمسكتها بيدها اليسرى أضافت المزيد من مساحيق التجميل، كانت تتمنى من داخلها أن تهبها روحا تفقدها يوما بعد الآخر، وعلى أمل أن تنجح فى مسعاها لم تسمح ظروفها سوى بالمزيد من المساحيق.
بجوارها وعلى نفس الأريكة جلست أختها المطلقة «حورية» الشهيرة بـ«المحور»، تواصل دون توقف إحدى وصلات ندبها المعتادة فى كل اتجاه، تعلم أنها كأنثى لم تملك ما يميزها يوما، تمر فى حياة الآخرين دون أن تترك أثرا، يمرون عليها وكأنها أحيانا غير موجودة، تكتفى بما وصلت إليه، ولأنها لا تملك ما تعطيه، كانت ترى أنه كلما ارتفع صوتها فقد أثبتت وجودها.
وعلى المقعد المجاور جلس الأخ الجاد المشغول دائما «طارق»، المعروف باسم «On Tv»، يتحدث فى هاتفه المحمول، وهو يتابع حوار الآخرين، كان من داخله يطلق عليه حوار الطرشان، وكان يعلم بشبابه أنه مختلف عنهم وإن كان يسبق بعضهم سنا، كان يمقت ترفهم وابتذالهم وضحكاتهم، كان يتمنى أن يضحك يوما مثلهم، لكنه ككل المهمومين لا يجد وقتا إلا للعمل.
تحسس حافظ لحيته الطويلة عقب نهاية صلاته، وقبل أن يغادر سجادة الصلاة وبدلا من بدء التسبيح، اعتدل تجاه إخوته ليسبّ منهم من لا يعجبه، كان يعتبر نفسه المسلم الوحيد فى عائلة كافرة، لا تستحق وجوده، كان يتمنى ككل القنوات الدينية، أن يزول إخوته، لتربح تجارته أكثر فأكثر.
أما «سيد بك» المعروف بالـ«حياة» فلم يُضِع وقته فى هذا الحديث الدائر، أدار بعض صفقاته الاقتصادية عبر حاسبه المحمول، واطمأن لرصيده من البورصة، اشترى كل ما تم عرضه من أسهم بأسعار عجز إخوته عن مجاراتها، كان يدرك أنه الأغنى، الأكثر ثراء، وكان يبحث عن مجد مزعوم لن يصله أبدا، اكتفاؤه الدائم باستعراض ثرائه أفقده الطريق إلى قيادة الأسرة، كما أن أصوله المادية كانت مسارا لجدل طويل من العائلة والجيران. صرخ «تيفا» فانتبه الجميع، وظهر الصمت فى المنزل للحظات، نظروا جميعا خلالها لأخيهم المريض بالتخلف العقلى، صاحب القدرات العقلية المحدودة المعروف باسم «الفراعين»، كان يفعل هذا ليجذب انتباههم، وكانوا يدركون أن العائلة الكبرى تستدعيه كثيرا، إما لتسخر منه، أو يعتبره بسطاؤها «بركة» ككل «عبيط» فى ثقافات بلادنا.
ربت «سامح»، أو «سى بى سى» على ظهر أخيه المريض ليصمت، استجاب الأخ لآخر العنقود، ذلك الشاب الملىء بالحياة، والذى تغدق عليه الأموال من كل جانب، «دلوعة الأسرة» كما يقولون، الذى يرتدى أزهى الثياب، والذى لا يدخن سوى السجائر المستوردة، ويتابع عن كثب كل التطورات الغربية فى مجاله ويعيد طرحها لعائلته، كان يخطط فى داخله لقيادة تلك العائلة يوما، إلا أن صراعه مع أخيه «متولى» المعروف باسم «مصر 25» وكل من يتبعونه من العائلة الكبرى كان شغله الشاغل فى تلك المرحلة، كان يعلم أنه صراع سوف يفوز به أحدهما فى النهاية ليموت الآخر، وكان مستعدا لقتل أخيه.
وكان «متولى» أيضا يتمنى قتل أخيه الأصغر، ولأنه امتهن مهنة جده، وتعلمها منه درسا بعد درس، وأضاف إليها ما عجز جده عنه، حيث نجح فى إقناع من يتبعونه فى العائلة الكبرى أنه يمارس عملا شريفا، بقدراته الخاصة حول «القوادة» لعمل يفخر به، يعايره الآخرون لكنه أيضا يعايرهم، ويستعين بـ«حافظ» أحيانا ليجرسهم، لأن عائلتهم الكبرى كانت تعتبره شيخا لا يخطئ، وكان يؤمُّهم معه أحيانا أخرى، القواد يؤم العائلة فإلى أين تصل؟
تشابكت أصوات الجميع المرتفعة، وبدت صالة المنزل التى اجتمعوا فيها أشبه بميدان مزدحم، ينظم مروره الغضب، وتحدد قوانينه الضجة، يحاول كلا منهم أن يعلو بصوته فوق الآخر، فتتعثر الكلمات ولا تصل إلى مبتغاها، فقط يملأ الضجيج ساعات الإرسال، وقبل أن ينفضّ الجمع دون أن يستفيدوا من لقائهم، يقطع الضجة رنين متواصل لجرس باب المنزل، يتكاسل الكل عن فتح الباب، فيستمر الرنين دون هوادة، وعندما يفتح الجد الباب مستجيبا لكل منادٍ كما اعتاد دائما، يدخل «نواف الغامدى» المعروف باسم «الجزيرة» وعلى وجهه ابتسامة لزجة قائلا: اتمسوا بالخير، كيف حالكم، أنا بلشت تنظيم فى المنزل اليوم، لا تغيروه طال عمركم.

خلق الله كندة علوش من السحاب، تشبه تماما تلك الندف البيضاء التى تمر فى السماء، فتمنع الحر وتهبنا المطر، وتشبه موهبتها تلك القدرة المدهشة على النماء التى يهبها المطر للأرض الخصبة.
ولأن لها نصيبا من اسمها، كانت كندة ذلك الحجر الثمين الذى خرج من رحم جبل الموهبة، وكانت متزنة مقفية مليئة بالمعانى كالشاعر الكندى «امرؤ القيس» حين قال: «إذا نَالَ مِنْها نَظَرَةً رِيعَ قَلْبُهُ كما ذرعت كأس الصبوح المخمر».
خرجت من الشام كما يخرج كل طيب، واستقرت بمصر كما يستقر كل جميل، بملامح وجهها الفينيقية، بتلك الجبهة المرمرية وزوج العيون السومرية، وذلك الأنف المصنوع على عجل للحضارة الكلدانية، والشفاه العربية الأصيلة، وتلك الموهبة التى صنعها «أبوللو» إله الفنون والموسيقى والشعر عند الإغريق.
أشرقت كندة فى سوريا وسطعت فى مصر، وما للشمس بعد الدفء سوى البقاء بالقرب من تلك الأرواح التى عشقت النهار، كما عشقت هى الحق والعدل والثورة.
وربما كانت ابنة سوريا المولودة فى دمشق المدينة العريقة التى استمدت منها روحها والتى درست الأدب الفرنسى ثم النقد فى المعهد العالى للفنون المسرحية فى دمشق لتعمل كمخرجة مساعدة قبل أن تمثل مع رشا شربتجى فى أول أعمالها مسلسل «أشواك ناعمة» لا تعلم أنها تعد نفسها جيدا لتكون فنانة حقيقية فى عالم يزخر بمدَّعى الفن.
ويبدو هذا واضحا للغاية فى إخراجها فيلما وثائقيا عن عمال بلادها فى لبنان تحت عنوان «فى مهب الريح»، لتعطى درسا لا ولم تقصده للفنانين العرب ليتحدوا مع مشكلات بلادهم، يصنعون فنا للترفيه والمتعة ويشاركون أيضا فى ما يصنع الأوطان، خصوصا عندما تمر تلك الأوطان بفترات تهدد وجودها وهويتها.
شاركت أيضا مع زوجها الكاتب فارس الذهبى فى تقديم الدعم للفنانين السوريين الشباب من خلال شركة إنتاج أنشآها معًا، كأنهما يعرفان أن للبريق واجبات قبل المميزات.
كندة علوش مثال حى للفنان الحقيقى الذى صنع فنا ويشارك فى صنع وطن، فى زمن صار الفنان فيه مجرد سلعة يتاجر بها منتج من خلال فن وضيع استهلاكى يضيع الهوية ويهبط بالذوق العام.
فنانة تستحق اللقب الذى لا يستحق الكثيرون حمله، تحمل على عاتقها بصحبة رفيق رحلتها همَّ وطن وهدف حقيقى بتحقيق الذات، يحمل فى طياته كل تلك المعانى التى ننتظرها من فنانينا حين كانوا يشاركون فى صنع الوطن.

كان عقد الثمانينيات بداية ثورة موسيقية جديدة نقلت الأغنية العربية من إطارها التركي الذي يعتمد في الأساس على الألات الشرقية مطعمة ببعض الجمل اللحنية والألات الغربية، إلى إطارها الحديث حيث تصبح الأغنية في حد ذاتها مسرحا لما يلائمها من أدوات دون التقيد بشكل أو إطار معين، وكذلك وصول التكنولوجيا الحديثة إلى ستوديوهات التسجيل بقيادة حميد الشاعري ومجموعة متميزة من الشعراء والملحنين.
لكن بقيت الأغنية في هذا العصر تنتظر تلك الفتاة الصغيرة القادمة من حي شبرا التي تجاوزت العشرين من عمرها لتهبها "الشقاوة" الحقيقية التي كانت تفتقدها، ويبحث عنها هذا الجيل.
وبوجه مثلث وملامح اختلطت فيها الحضارة الفرعونية بالإغريقية، وأصول صعيدية وصوت يحمل بين طياته شقاوة شابة حملت في عينيها حبا شديدا للحياة، وعلى خشبة مسرح مهرجان الصداقة المصرية اليونانية وباللغة اليونانية قدمت أولى أغنياتها باللغة اليونانية، لتخوض بعد ذلك سيمون فيليب كامل الشهيرة بـ"سيمون" رحلتها الفنية القصيرة، التي بدأت بألبوم "تاني تاني" التي كانت بعض ألحانه لأغاني فرقة "modern talking" الألمانية، ذلك الألبوم الذي ردد من أجله شباب الثمانينيات أغنية "تاكسي" من كلمات محمد ناصر والحان حميد الشاعري، وهم يتعرفون للمرة الأولى على صوت ظنوه في البداية ضعيفا يدغدغ فقط بشقاوته منطقة ما في صدورهم لم يتعرفوا عليها بعد، بدا الالبوم مفعما بالبهجة، لكن ميله للأغنية الغربية فقط جعل البعض يحجم عن الاندماج مع "شقاوته".
أغنية "تاكسي"
http://www.youtube.com/watch?v=tHXERpLrD10
قليلون هؤلاء الذين مثلوا أمام فاتن حمامة ولاحظتهم الكاميرا، أو غنوا أمام محمد منير وأدرك الميكروفون صوتهم، لكن سيمون جمعت الحسنيين في فيلم واحد من إخراج خيري بشارة، حين قدمت دور "لمياء" ابنة فاتن حمامة، التي عملت كممرضة وعشقت زوج أختها "عرابي" قبل أن تنتحر حرقا بالنار.
كان موعدها الأول مع الكاميرا مختلف، تخلت عن شقاوتها للمرة الأولى وظهرت كممثلة حقيقية ذات موهبة واضحة، وكأنثى جميلة تثير أحلام الشباب.
كان فيلم "يوم مر ويوم حلو" شهادة ميلاد لفنانة تجاوزت مرحلة الانطلاق وباتت قدماها أكثر ثباتا.
سيمون تغني أمام منير في الفيلم:
http://www.youtube.com/watch?v=Nkbh-PiRAIs
تقدم "سيمون" ألبوم "ألو ألو" مستمرة في طريقها الذي بدأ يتضح، وتبقى أغنية "مظبوطة" علامة ذلك الالبوم، وهي الأغنية التي رددتها شابات نهاية الثمانينيات، واستغلها شباب تلك الفترة لمعاكستهن، ربما لأن كانت الأغنية تتناول "المعاكسة" قبل ظهور التحرش، لكنها كانت تعبر عن حالة من الحرية التي تطمح فيها الفتاة المصرية في هذا التوقيت، حققت الأغنية نجاحا ملحوظا خاصة بعد اختيارها للتصوير من أغاني الألبوم، بما فيها من نموذج واضح للزي والمكياج وقصات شعر مرحلة الثمانينيات، لكن "سيمون" كانت على موعد أخر في طريق أخر مع الفن، خاصة مع النجاح المتوسط الذي حققه البوم "أحب أقولك" الذي تلى هذا الألبوم، رغم بداية استخدام بعض أنواع المقسوم الشرقي في ألحان أغانيها، ثم ألبوم "باتكلم جد" صاحب اشهر دويتو أدته في تاريخها الفني أمام الفنان حميد الشاعري، والتي حققت نجاحا كبيرا.
أغنية "مظبوطة" من ألبوم "ألو ألو
http://www.youtube.com/watch?v=IzYE_suYCGw
أغنية "ماشية في حالي" من البوم "أحب اقولك"
http://www.youtube.com/watch?v=V3FBcnmcQus
أغنية "باتكلم جد" من البوم "باتكلم جد"
http://www.youtube.com/watch?v=PafhN2wg7Bc
يبقى عام 92، عاما مميزا في مشوار النجمة التي أتمت عامها الـ26 بتقديم فيلمي "الهجامة" أمام ليلى علوي، "حالة اشتباه" أمام فاروق الفيشاوي و"أيس كريم في جليم" امام عمرو دياب.
العمل في فيلم من تأليف أسامة أنور عكاشة وأخر من إخراج خيري بشارة في عام واحد شهادة تخرج نهائية للفنانة الشابة من مدرسة التمثيل، من خلال دورين مختلفين نهائيا، لعبتهما بحرفية وموهبة تنال مرحلتها الأخيرة من الصقل على يد صناع الفيلمين، حقق "الهجامة" نجاحا معقولا، لكن بقي "آيس كريم في جليم" علامة في تاريخ شباب بدايات التسعينيات، وكذلك عشاق عمرو دياب، خاصة عندما غنى لها "الهضبة" "حتمرد ع الوضع الحالي"، كانت سيمون نظاما يتمرد عليه دياب في أغنية سيستخدمها المصريون بعدها بـ20 عاما ساخرين من نظام يثورون ضده، لكن سيمون بدأت عادة جديدة منذ هذا الفيلم حيث تركت علامتها ورحلت، وكأنها أحد تلك الطيور المهاجرة التي قررت ألا تستقر في مكان واحد للأبد.
أغنية "أنا فقير" من فيلم "آيس كريم في جليم"
http://www.youtube.com/watch?v=vWhvPcgz8Dc
أغنية "حتمرد ع الوضع الحالي من فيلم "آيس كريم في جليم:
http://www.youtube.com/watch?v=pzZBkzAvuWA
تركت سيمون السينما عام 92، ثم تركت الغناء أو إصدار الالبومات الغنائية عام 96 عقب إصدار أنجح البوماتها "في حاجة كده"، تاركة علامتها الواضحة المميزة بالشقاوة في عالم الغناء.
وعلى رأس أغاني هذا الالبوم أغنيتها الأشهر "مش نظرة" ، وكذلك أغنية "في حاجة كده"، ربما لا نعرف لماذا توقفت سيمون عن الغناء، لكنها اختارات توقيتا ممتازا يستعد فيه جيل الثمانينات لفتح الطريق أمام جيل جديد يستخدم تكنولوجيا أكثر تطورا بأدوات جديدة في دوران سريع لدائرة النجومية يليق بموسيقى تلك المرحلة، كانت قادرة على البقاء خاصة وأنها لم تتجاوز الـ30 بعد، لكنها ككل الموهوبين الاذكياء يغادرون في القمة.
أغنية "مش نظرة" من ألبوم "في حاجة كده"
http://www.youtube.com/watch?v=vM5mDNyX3H8
أغنية "في حاجة كده" من البوم "في حاجة كده"
http://www.youtube.com/watch?v=y6Au2Gw83eU
ولأن المسرح ابو الفنون، والطائر المهاجر قد ترك بصمته على الغناء والسينما، صار لزاما على سيمون أن تقتحم المسرح أمام فنان مسرحي كبير مثل محمد صبحي، وكأن قدرها وإختيارها لا يرضى سوى بالعمالقة، ومن خلال أربعة مسرحيات هي "كارمن" و"لعبة الست" و"سكة السلامة" في نهاية التسعينيات وبداية عام 2000.
كانت سيمون تتألق على خشبة المسرح في كل عرض، تقدم طاقات استعراضية وتمثيلية درامية وكوميدية، وكأن بركانا انفجر، انصاعت لها خشبة المسرح وخلدت اسمها ضمن نجمات قليلات سطعن على المسرح بقوة يذكر منهن تاريخه سميحة ايوب وسهير البابلي.
تركت علامة من خلال تجربة قصيرة للغاية ككل تجاربها وكأن الطير المهاجر دائما ما ينتظر موعدا للرحيل، غادرت الخشبة المقدسة وهي في قمة نضجها ونجاحها، كما اعتادت دائما.
مشهد من مسرحية "لعبة الست"
http://www.youtube.com/watch?v=G3mdPpT8XjQ
تبقى "سيمون" بعيدا عن أي مقارنة يمكن عقدها على المستوى الفني، طائر غرد دائم خارج السرب، ترك بصمته في كل مجال ثم توقف وهو في السماء، فعجز معجبوه عن التوقف عن التطلع إليه على أمل أن يعاود التحليق مرة أخرى، أو لأنه صار باقيا في قلوبهم للابد في هذا المكان في الصدور الذي دغدغته في البومها الأول ولم يعرفوه حينها.

لم تصل إلينا الموسيقى الفرعونية، ولا تلك الموسيقى التى عزفها أسلافنا الأقباط فى مواجهة القهر الرومانى، ولا حتى الموسيقى التى عزفها المصريون والفاتحون العرب بعد فتح مصر.
لكننا نعرف جيدا أن الموسيقى كانت فرضا لا يغيب عن روح الشعب المصرى منذ عرفها.
منذ قررت الأم المصرية أن تهدهد طفلها فى الفراش، منذ تحايل البنَّاء المصرى على آلام عمله بالغناء، عندما روج البائع المصرى لسلعته بنداء مسجوع يليق بها، نقل سيد درويش بعض مذاقها لكنه لم يتمّه، وتعرفنا على المذاق الباقى عبر أصوات مختلفة، من صوت محمد منير الذى يشبه «الكركديه الأسوانى»، وسبقه محمد حمام الذى يشبه «التمر هندى»، وصولا إلى صوت فيروز كراوية الذى يشبه «العرقسوس»، ذلك النبات المصرى الأصيل الذى يستخرج من جذور الشجرة، وأكثر حلاوة من السكر العادى، تماما مثل شخصية صوتها، ولصوت المطربين الحقيقيين فقط شخصية تتذوقها الآذان. وبما أن لكل امرؤ نصيبا من اسمه، ولأنها سمية مطربة كبيرة، نجحت منذ طفولتها فى أن تشكل روحها تربة خصبة لموسيقى الرحبانية، روتها تلك الأصول البورسعيدية الأبيّة لتشكل صوتا مصريا أصيلا يشبه تربة ذلك الوطن، والمزيج المبهر لشعبه عبر التاريخ.
وبروح تشبه تلك التى قهرت الغزاة على خط القنال، خاضت فيروز كراوية معركتها ضد الغناء التجارى وعالمه متشعب المصالح، الذى لن يعترف أبدا بصوت كل مميزاته أنه يشبه آلة «الهارب» الفرعونية.
فقط لأن روحها تتسع كلما غنت، ولأن لصوتها دفئا يشبه تلك الليالى العائلية فى بيوت الوطن، أصرت على مشروعها وأنتجت ألبومها الأول «بره منى»، لتغنى للقهوة وللوشوش ولذلك البطل المثالى.
غنت فيروز لتسقى أرواحا، ارتوى أسلافها على يد بائع «عرقسوس» قديم ظهيرة يوم حار فى قاهرة المعز، غنت بروح مقاتل اعتنق الفن رغم أنه يخاف من «حاجة واحدة» كما شدت فى ألبومها الوحيد.
ومع انشغالها بتسجيل ألبومها الجديد كانت تهمس دون انقطاع أن «السمكة يمكن أن تفسد من داخلها دون أن يفسد رأسها»، كانت تعلم جيدا أن تلك الروح التى وهبها الله لها ليست ملكا لأحد، سوى لذلك المطرب القديم الذى قضى نحبه فى أزقة مدينة ساحلية أو قرية ريفية على أمل أن يسعد رجل هزمه الحزن، أو يروى قصة بطل لم تهزمه غزوات التتار.

م يختلف طول الطفل الصغير الذي اجتاز عتبات ستوديو مصر لتصوير دور كومبارس صامت في فيلم "العيش والملح" خلف المطرب سعد عبدالوهاب عام 49، عن هذا الكومبارس المتكلم الذي يظهر في مشهدين في فيلم "إتش دبور" عام 2008، او كابتن فريق كرة القدم الأمريكية في مسلسل الكبير قوي مع أحمد مكي عام 2012.
فقط كان الفارق 63 عاما من العمل على الهامش، في خلفية المشهد، قريبا من النجوم دون أن ينال نصيبه من الضوء، تلهبه نار الفن لكنها لا تعطيه أكثر من الحرارة والالم بلا بريق.
ومن على قهوة "بعرة" المقر الرسمي للكومبارس في مصر، حيث يشبه وصول "الريجسير" حلول العيد على قلب الأطفال كان مقر حسن كفتة الدائم، بجسده القصير الذي لم يصل إلى متر ونصف، وملامحه الضخمة التي تعطي وجهه نمطا كاركاتيريا يناسب الأدوار الكوميدية، وزوجا من العيون سكنها الحزن بفعل تصاريف القدر ومتاعب المهنة.
وعبر ما يزيد على ثلاثين عاما، هجر الشاب الذي بدأ يدخل مرحلة الرجولة مهنة التمثيل غاضبا عدة مرات ليمارس مهنا أخرى ثم يعود إليها، حتى قدم مع الفنان محمد صبحي مسرحية "الهمجي"، ثم يضمه ذات يوم الفنان سمير غانم لفرقته المسرحية، مستغلا حجمه وسط مجموعة من الكومبارس في مسرحية "أخويا هايص وأنا لايص"، ليصير المسرح ملاذا أمنا يحصل منه على مرتب شهري ثابت، يعوضه عن سنين طويلة من التقلبات.
ربما لم تشغله ضحكات الجكهور على ما يقدمه على خشبة المسرح، ربما ألمته لأنها كانت ساخرة من حجمه وتناقضه مع عمره، ربما لم يهتم نهائيا سوى بذلك الراتب، لكن المؤكد أنه بدأ العمل فعليا وصار اسما مطلوبا على قهوة "بعرة".
شارك بعدها في العديد من الافلام مثل «علي سبايسي» مع حكيم، «حريم كريم» مع مصطفى قمر، «الساحر» مع محمود عبدالعزيز، «أصحاب ولا بيزنس» مع هاني سلامة، و«التجربة الدنماركية» مع عادل إمام، حينها بدأ وجه حسن كفتة يغدو معروفا في الشارع، وبدأ يتبرم إذا لم يعرفه أحد، ابتسم الطفل الذي دخل الاستوديو في سن العاشرة قبل 50 عاما كلما طلب منه أحد أن يلتقط معه صورة.
لكنه ظل خجولا حين تحاصر الأضواء كبار النجوم في حفلات العروض الخاصة، كان يحتل ركنا بعيدا يدخن فيه سيجارته في صمت.
وفي النهاية كان على مقعده المفضل في قهوة "بعرة يتحدث عن متاعب المهنة قائلا :«أشعر بالضيق من قلة الأعمال الفنية المعروضة عليّ، وقلة الدخل الذي لا يتعدى المائة جنيه، فيومي يسير متباطئاً وأشعر بملل لا يطاق، ولكن حالتي تتغير تماماً حينما يمر علي أحد المارة ويتعرف علي ويطلب مني صورة تذكارية، فوقتها فقط أشعر بالفخر وبأن السنوات الطويلة التي قضيتها ككومبارس لم تضع هباءً».
كان حسن كفتة ضمن الملايين التي ثارت في 25 يناير، ويتذكره الكثيرون من رفاق الميدان وهو يتقافز طفل صغير فرحا بالتنحي، ربما يتذكره البعض دائما لكنهم ينسونه بمجرد غياب الابتسامة الشاحبة عن وجوههم، ربما يترحم عليه البعض اليوم عقب رحيله بأزمة قلبية أودت بحياته في سن الخامسة والسبعين، الأكيد أن أحدا لن يتذكره غدا، وأن المئات غيره مازالوا على الدرب جلوسا على قهوة "بعرة"، يحلمون بمعاملة أكثر إنسانية، واحترام داخل "لوكيشن" التصوير، ومعاش واجر يليق بمن اضاع عمره بين النجوم السوداء على أمل الشروق.

والد مشغول بتجارة المواشي في المنيا عروس الصعيد في أربعينيات القرن الماضي، يحمل هم قبيلته الصغيرة المكونة من زوجته وأطفاله الـ14، ولا يجد متعته سوى في الجلوس في أحد مقاهي المدينة لسماع أحد شعراء الربابة منشدا بعض السير الذاتية الأسطورية لأبو زيد الهلالي وسيف بن ذي يزن وعنترة بن شداد، وغيرهم من أساطير زمن مضى، ومع مضي الوقت وتحديدا في منتصف الخمسينيات كان يعجز عن منع طفله الـ13 أحمد من اصطحابه للمقهى لسماع الأغاني، فقط كان يدهشه تعلقه الشديد بما يسمع وحفظه بسهولة وترديده بعد ذلك بصوت جميل.
وفي شوارع المنيا وفي بيوت الاصدقاء مرت السنون بالصبي وصار شابا يافعا، يغني مجاملا في الأفراح مرددا أغاني محمد العزبي وشريفة فاضل ومحمد رشدي الذي اعتبره أبا روحياً له وكذلك العديد من نجوم الأغنية الشعبية، وحين أتم الـ24 كان قد اتخذ قراره بشد الرحال إلى قاهرة المعز، وشارع محمد علي تحديدا لاحتراف الغناء بناء على نصيحة الأصدقاء وذلك العشق والشغف غير المحدود بالغناء.
وفي مقهى «الآلاتية» في شارع محمد علي بدأ الشاب أحمد مرسي، الشهير بأحمد عدوية رحلته مع الموسيقى عازفا للناي والرق في بعض الفرق الموسيقية متحينا الفرصة للغناء هنا أو هناك في فرح شعبي أو حفلة خاصة، حتى لبى الدعوة للغناء في عيد زواج الفنانة شريفة فاضل، وسط كوكبة من نجوم الغناء.
كان المطرب الشاب غير معروف لدى أغلب الحضور، وكان حضوره لسد الفراغات الزمنية بين كبار المطربين، لكنه عندما غنى جذب أنظار الجميع، ليطلب منه صاحب كازينو «الأريزونا» العمل معه، ويوقع في اليوم التالي عقدا باحتراف الغناء رسميا.
وفي شارع الهرم حيث تذوب أغلب المواهب وتضيع بين «أكل العيش» و«عدم انتباه السميعة» كان أحمد عدوية مختلفا، وبحكم انتمائه للشارع الذي ضم صوته في بدايات مشواره الفني كان يرى أنه من الطبيعي أن يغني لغة هذا الشارع، بعيدا عن لغة أغنية هذا العصر المتحفظة والمحفوظة داخل قوالب متجمدة.
وفي عام 1973، حين قدم أحمد عدوية أغنية «السح الدح إمبو» كاسرا «تابو» الشعر المنقي والمفلتر بعيدا عن لغة الشارع والتي حققت نجاحا كبيرا للغاية، بدأ المطرب الشعبي أولى خطوات النجاح، ليتبعها بعد ذلك بمجموعة من الأغاني مثل «بنج بنج» و«سيب وأنا أسيب» و«زحمة يادنيا زحمة» ويصدر البومين لشركة «صوت الحب».
وكعادة الوسط الثقافي والفني حين يلقى من يغرد خارج السرب، خرج العشرات من الصحفيين والفنانين مهاجمين المطرب الشاب، معتبرينه مثالا للانحطاط والابتذال، لدرجة أن المخرج الكبير محمد خان اتخذ من أحمد عدوية رمزا للابتذال في فيلمه «خرج ولم يعد» حين كان بطله يحيى الفخراني يصرخ في الريف قائلا :«جايلك ياعدوية».
إلا أن هذا الجدل الدائر حول مدرسة المطرب الشعبي الشاب جعل العديد من منتجي السينما يقدمه في عدد لا بأس به من الأفلام التجارية مثل «حسن بيه الغلبان» و«العسكري شبراوي» و«رجل في سجن النساء» و«البنات عايزة إيه» و«مشاغبون في الجيش» و«أحلام البنات» و«خدعتني امرأة» و«السلخانة» و«حارة العيش الحاف» و«خمسة في الجحيم».
كما غنى رغما عن الجميع في التليفزيون المصري عام 78 بعدما أعلن الرئيس الراحل أنور السادات عن حبه لصوت «عدوية» من خلال إحيائه عيد ميلاد شقيقته الكاتبة سكينة السادات فى منزلها فى حدائق القبة ، حين طلب منه السادات غناء أغنية «سلامتها أم حسن» والتي كان يعشقها.
وفي عام 1980 صار أحمد عدوية مطربا معتمدا في الإذاعة على الرغم من رفض الوسط الفني والثقافي له رغم حماس بليغ حمدي وتقديمه صوت «عدوية» من خلال أغني مثل «بنج بنج» و«آلا أونا»، وشهادة موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب له بأنه أحد أصح الأصوات العربية، بينما احتفى به العندليب الاسمر عبدالحليم حافظ بغناء أغنيته «السح الدح امبو» بينما غنا هو أغنية «خسارة» لحليم، وقال عنه الأديب الكبير نجيب محفوظ «إنه صوت قوي مليئ بالشجن» وكان يعتبر أغنيته «سيب وأنا سيب» التي كتبها مأمون الشناوي ولحنها سيد مكاوي أغنية «سياسية تدعو للسلام».
ومع نهاية عقد الثمانينات وبعدما صار أحمد عدوية ملكا متوجا للأغنية الشعبية في مصر، ومع بداية التسعينيات يتعرض المطرب الشعبي لحادث مثير للجدل، وما بين شائعات ترددت من آن لأخر عن منافسة نسائية ما بينه وبين أمير عربي اختفى صوت الشارع وخفت بأمر المرض والعجز.
لم يقطع هذا الاختفاء سوى محاولة وحيدة بإصدار ألبوم بلغة «الفرانكو أراب» وكأن صاحب الصوت خجل من أن يقدم لغته بهذا الصوت الواهن.
ومع مطلع الألفية الجديدة، وبعدما صار المثقفون والفنانون على وعي تام بقيمة ما قدمه أحمد عدوية خلال مشواره الغنائي، عاد من جديد ولكن مرتين، الأولى على يد ولده محمد الذي احترف الغناء، والمرة الثانية حين غنى من جديد مع رامي عياش ثم محمد عدوية وأخيرا فرقة «وسط البلد».
عاد الصوت الشارع هذه المرة مليئا بالخبرة، مثقلا بالتجربة المختلفة، مفعما بالتقدير لهذا الزمن الذي أدرك أخيرا قيمة أحمد عدوية.

لا تمل مقولة "لكل امرؤ نصيب من اسمه " من التكرار، وفي واقعة هي الأكثر وضوحا تمر بنا ذكرى المطربة التونسية الراحلة "ذكرى" ابنة "وادي الليل صاحبة الصوت الجبلي القوي.
تلك المطربة الشابة التي رحلت منذ 10 سنوات قتيلة على يد زوجها رجل الأعمال المصري، بسبب الغيرة أو السياسة كما قالت بعض الشائعات، بسبب الحب أو السياسة، غادرنا صوتاً يستحق أن يعيش للأبد .
أغنية "وحياتي عندك" أحد اشهر أغاني ذكرى
http://www.youtube.com/watch?v=CaZD4E8iz8Y
البداية كانت في الوطن، في تونس بين اب يشجع طفلته على الغناء وأم ترفضه حتى رحيل الوالد وهي في الثانية عشر من عمرها، أول فراق في حياة المطربة التي عانقها الألم، لتأخذ الوالدة على عاتقها إكمال ما تمناه الاب لابنته.
حتى عام 1980 حين شاركت صاحبة الـ19 عاما في برنامج المسابقات "بين المعاهد" بأغنية "أسأل عليا" لليلى مراد، وهي نفس الأغنية التي شاركت بها بعد ذلك بثلاثة سنين في برنامج الهواة "فن ومواهب"، وأحب الحكام صوتها وفازت بالجائزة الكبرى في النهائي يوم 23 يوليو 1983 بأداء مبهر ورائع لأغنية "الرضى والنور" لأم كلثوم، فانتبه لذلك عزالدين العياشي الذي احتضن موهبتها ولحن لها أول أغنياتها بعنوان "يا هوايا"، ثم قدمها في أول حفلة في مهرجان قرطاج بتونس، لتنضم بعدها إلى فرقة الاذاعة والتلفزة التونسية بقسم الأصوات وهناك تلتقي بالملحن عبد الرحمن العيادي الذي لحن 28 أغنية من إجمالي 30 أغنية قدمنهم في تونس خلال 10 سنوات من إحتراف الغناء.
حتى عام 1990 حين تدخل الحب للمرة الأولى في حياة ذكرى وأجبرها خلافها مع خطيبها الملحن عبدالرحمن العيادي الذي رفض ن يلحن لها غيره، أن تنضك إلى مجموعة "زخارف عربية " قبل الهجرة إلى ليبيا.
أغنية "حبيبي طمن فؤادي" من ألحان العيادي
http://www.youtube.com/watch?v=15k4w9YbLdU
في ليبيا يتعامل الصوت النادر صاحب المقان العالي مع مجموعة من كبار الملحنيين الليبين مثل محمد حسن، علي الكيلاني، عبد الله منصور، سليمان الترهوني، رمضان كازوز، خليفة الزليطني، عمر رمضان، و غيرهم، لتكون صاحبة الرصيد الأكبر من الالبومات باللهجة الليبية رغم بقائها لمدة 4 سنوات، إلا أنها حرصت على العودة من آن لأخر للغناء باللهجة الليبية، وقامت بالمشاركة في تأسيس سلسلة "رفاقة عمر" التراثية الرمضانية لمدة 16 عام متتالية، وكأن صاحب الصوت العريض، القادم من العصر الأندلسي يحمل وفاء تجاه تلك الفنون التراثية، يستطيع تحمل أمانتها وأمانة نقلها للعصر الحديث، صوت يشبه ألة زمن جاءت من الماضي.
اصدرت ذكرى العديد من الألبومات في ليبيا مثل "و بحرت"، و"شن درنالك"، "نفسي عزيزة" الذي كان آخر ألبوم ليبي صدر لها في 2003 وهو كلمات عبد الله منصور، وقد ربحت أغنية "نفسي عزيزة" جائزة أفضل أداء وكلمات في مهرجان شرم الشيخ بمصر.
أغنية "نفسي عزيزة" الفائزة في المهرجان
http://www.youtube.com/watch?v=b3ZMjXtEu3M
كان اللقاء مع الملحن هاني مهني طريق ذكرى للهجرة إلى مصر عام 1994 بعد 4 أعوام في ليبيا، لتنال مكانتها المستحقة وسط نجوم الأغنية العربية، حيث انتج لها مهنى ألبومين هما "وحياتي عندك" في سنة 1995 والذي نجح نجاحا ساحقا في الوطن العربي ووضع اسمها على قائمة النجوم الكبار، بعدها انتج لها ألبوم "أسهر مع سيرتك" سنة 1996 لكنه لم يلاقي النجاح المطلوب بسبب عدم توفير الدعاية اللازمة، وفي سنة 1997 صدر لها ألبوم من إنتاج "مبجاستار" يحمل اسم "الأسامي" ليعاود النجاح رسم ابتسامتها على وجهها مرة أخرى.
ثم أصدرت ألبوما من إنتاج "فنون الجزيرة" بعنوان "يانا" سنة 2000، وأخيرا ألبوم "يوم عليك" والذي صدر في 2003 قبل وفاتها بثلاثة أيام.
وكان صوت ذكرى هدفا خلال تلك الفترة لكل الملحنين الكبار في الوطن العربي، لتجسيد ألحانهم وتخليدها عبر صوت صار قادرا على أداء أكثر الألحان صعوبة ومنحها تأشيرة نحو أذن المستمع وقلبه.
كذلك قامت أيضاً بغناء العديد من الديوهات مع العديد من الفنانين العرب مثل طلال مداح في أغنية "ابتعد عني" وأبو بكر سالم في أغنية "يا مشغل التفكير" ومحمد عبده في أغنية "حلمنا الوردي" في سنة 2003، ومع الفنان عبد الله الرويشد في أغنية "مافقدتك" صدر بعد وفاتها اواخر 2007، والفنان غيهاب توفيق في أغنية "ولا عارف".
وفي نهاية نوفمبر 2013، وبعد قصة حب قصيرة انتهت بالزواج من رجل الأعمال المصري، حضر صوت ذكرى للمرة الأخيرة حين صرخت وهي تتلقى رصاص مسدس الحبيب، لتبدأ الفرق للمرة الأخيرة، بعيدة عن الوطن وبلد المهجر الأولى داخل مصر بلد الرحيل.
أغنية "ولاعارف" بصحبة إيهاب توفيق
http://www.youtube.com/watch?v=tzVwYH2Jvd0

"احكي يا شهرزاد ..احكي لشهراير ...طوليله ليله لطلوع النهار"
طفل تلقى كتاب ألف ليل وليلة في عيد ميلاده العاشر في ديسمبر 83 ، وظل يقرأها حتى سمع ذلك الصوت يغني تترات الجزء الأول من المسلسل الذي قامت ببطولته نجلاء فتحي، لم أر حسين فهمي شهرايرا ولم تقنعني نجلاء لكني أيقنت أن هذا الصوت الذي يغني هو نفس صوت الحكايات، يحمل ذات السر وروحه.
******
"قال جاني بعد يومين...يبكيلي بدمع العين، يحكي عن حب جديد، يحكي وأنا ناري يقيد"
أول ألبوم قررت أنا اشتريه بأموالي، انتقلت من مرحلة شراء الحلويات إلى الشرائط، قلبي يتعلم الدق، احب جارة تسكن بجوار فرن العيش، اشتري الخبز لأمي 3 مرات في اليوم، احب طابور الفرن، وفي النهاية أكتشف أنني واحدا ضمن عشرة تحبهم، يحتضني صوت الديفا واستمتع بدموعي على أنغام الأغنية، على الرغم من أن الألبوم صدر قبل المسلسل بعامين، لكني لم أتعرفه إلا في هذا التوقيت.
*******
"مش هتنازل عنك أبدا مهما يكون، ياللي اديت لحياتي في حبك طعم ولون"
ربما يتناسب اللحن الملحمي لتلك الأغنية مع إصرار مراهق يخوض غمار حياته العاطفية وسط رفض عائلي شامل، يخوض حياته بالطريقة التي يراها مناسبة له، وتراها الأسرة غريبة وشاذة، ليست مجرد أغنية عاطفية، بل أسلوب حياة، لشاب صغير قرر أن يعيش حياته كما يحب، وألا يتنازل أبدا عن روحه من أجل الأخرين، الديفا دائما معي على الطريق.
*****
"انساني يا أحلى كلمة على لساني، انساني ..يا أنا ياعمر عشته بالهنا"
على أعتاب الكلية الحربية، أودع جزء من روحي، يعتصرني الألم، أردد تلك الأغنية ليلا ونهارا، طرحت هذا الالبوم عام 90 وبعدها بعام كنت أرتدي الزي الميري، وخلال هذا العام كانت أغنيتي المفضلة في الألبوم هي "غروب وشروق"، لم أتعلق بـ"انساني" سوى بعد دخول الكلية الحربية، أغادر الكلية عام 94 وأنا أغني "وما بين الاتنين ليل عايشينه، عايشينه بشوق".
*******
"عاشقة..يمكن ايوة..يمكن لأ"
ووكمان في الجيب الأمامي لحقيبة أحملها على ظهري أثناء عودتي من الاسكندرية سيرا على الأقدام خلال فرقة الصاعقة في الكلية الحربية، هل تخيلت أن تقضلي ليلة كاملة في السير وأنت فقط تسمع سميرة سعيد لكنك تسمعها من فرط التعب وهي تتسائل معك "خايفة؟"
*******
"كل دي اشاعات وكلام مالهوش عندك اثبات"
الديفا تحتفل بخطوبتي، بعد سنوات من رفض الاسرة للزواج بسبب العديد من الشائعات، ينتهي كل ذلك وأرتدي دبلتي الذهبية، سميرة حاضرة بقوة، لدرجة أن لحن الأغنية الغاضبة كان راقصا يسمح بالاحتفال.
*******
"ليلة حبيبي" و"يوم ورا يوم"
ألبومان صدرا ما بين 2000 و2002، صارت غريبة، لم أعد قادرا على تحمل سماع الأغاني الحديثة بصفة خاصة، توفى والدي ورحل، انتقلت إلى القاهرة صار ارتداء البدلة الميري خانقا لي، حتى سميرة تغني ما لا افهم للمرة الأولى، أحتمى بالأغاني التي تعرفني.
******
"قويني بيك"
شبح ابتسامة، وشوق لا ينتهي لصوت أحبه، أجدها بين ثنايا الالبوم، لكنني عاجز عن التعلق بأغنية حد العشق، يبدو أننا افترقنا، أو أنني فقدت جزء من إحساسي خلال الرحلة، الديفا تتألق في هذا الالبوم، لكنني أخبو.
****
"مازال"
صوت الديفا يزغزغ روح لدرجة أن الابتسامة لم تفارق وجهي منذ سمعت الأغنية وحتى الأن، حمد الله ع السلامة يا سميرة.
روحي تتوهج وصتك يعزف على نغماته الخاصة التي تشبه سحر ألف ليلة وليلة، برناته المبهجة التي علمت الوتر الضحك.

ربما لا يعلم جاك نيكلسون أو يهتم لرجل يبكي في الشرق الأوسط على خبر اعتزاله التمثيل لأنه يفقد ذاكرته، ربما حتى لا تسعفه تلك الذاكرة ليعلم أين هو الشرق الأوسط أساساً.
ربما أيضا ليس مهما لصاحب الـ76 عاما أن يعرف أنني منذ رأيت فيلمه "One Flew Over the Cuckoo’s Nest" وقد تغيرت حياتي تماما، صرت فخورا بجنوني، صرت اعلم أن قدرتي على منح السعادة للأخرين تهبني أماني الخاص، والطاقة الكافية للتحرر من سجني، صار لدي دستورا للحياة.
وحين رأيت من بدأ حياته الفنية بدور "جوفر" في سلسلة الرسوم المتحركة الشهيرة " هانا باربارا " يؤدي دور الجوكر في سلسلة "باتمان"، ايقنت أن للشر وجه طيب، وأنننا كبشر لسنا ملائكة، نحمل بداخلنا اللونين وهو ما أكده لي "نيكلسون" عند أدائه لدور الرجل الذئب في فيلم بنفس العنوان.
ربما لا يهتم أحد أنني قررت أن أترك القوات المسلحة بعدما رأيته يؤدي دوره في "A Few Good Men "، حين أدركت تلك الهوة العميقة بيني وبين الفكر السائد لجيوش العالم.
ربما لم يعلم أنني عندما قاربت على الـ40 من عمري أعدت وضع دستوري الشخصي بناء على فيلمه الرائع "The Bucket List"، وقررت أن الحياة لن تعاد مرتين، وعلي أن أموت سعيدا حين يأتي موعدي أيا كانت المعوقات.
لم تكن عزيزي "جاك" تلك المرة الأولى التي أبكي فيها أمامك، في الحقيقة بكيت أمامك منذ 12 عاما حين مات والدي، حين كنت تصور فيلم The Pledge"، حين كنت تحفظ دورك كما اتعدت وتكرره مرارا حتى يثبت في رأسك، وتدع الأداء لما هو أمام الكاميرا.
ذهب والدي يا جاك، رحل كما رحلت ذاكرتك، وبقيت أنا وحدي بدموعي التي لن يراها أحد.
**********
بعدما كتبت هذه القطعة نفى العزيز "جاك" الخبر بابتسامة عريضة، وابتسمت أنا أيضا