27‏/08‏/2012

أرشيفي السينمائي : يونس شلبي.. الطفل الضاحك الذي رحل حزيناً

 للتلقائية حضور طاغي لا يمكن تجاهله، وعندما تمتزج تلك التلقائية بروح طفولية وخفة دم، يصبح صاحبها مصدراً لا ينتهي للبهجة، وهو ما كانه الفنان الراحل يونس شلبي، الذي عشق التمثيل منذ نعومة أظافره، عندما كان في الصف الثاني الإعدادي، وظل مشاركاً في فريق التمثيل في مدرسته حتى أنهى الثانوية العامة، ليلتحق بمعهد الفنون المسرحية قسم التمثيل عام 69.
كانت نقطة إنطلاقه هي مسرحية "مدرسة المشاغبين" ثاني مسرحياته بعد مسرحية "الغول"، وكان وقتها مازال طالباً بالسنة الرابعة، وفوجيء الجمهور بذلك الشاب القصير ذو "الكرش" والشعر المتناثر، يجوب المسرح ناشراً الضحك حوله كلما تحرك أو نطق، وخرج الجميع مقتنعاً بإقتحام هذا الطفل الكبير لعالم الكوميديا، متوقعين أن يعتليه خلال فترة قليلة بصحبة زملائه عادل إمام وسعيد صالح.
ويعود نفس الطفل "ذو الكرش" ليؤكد من خلال مسرحية العيال كبرت، لتحطيم كل حدود الفم والروح في الضحك، ويترك اثراً في كل الأجيال التي شاهدت المسرحية منذ عرضها إلى الآن، وإلى زمن قادم.
ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، ويسقط النجم في فخ ما يسمى بافلام المقاولات، بصحبة رفيق الطريق سعيد صالح، ويقدم عدداً من الأعمال التي تقتل الموهبة، والتي كانت التلقائية فيها نوعاً من السطحية لأن العمل ذاته بلا اي عمق، وينشغل الفنان الطفل الذي فقد طموحه بلقمة العيش عن فنه، ليختفي رويداً رويداً من على الساحة، وكأن سيف الحزن الغاشم حريص على قتل مصادر البهجة في عالمنا.
ولأن الطفل بداخل يونس شلبي مازال محتفظاً بشقاوته ونزقه، يشارك الفنان في مسلسل الأطفال بوجي وطمطم، ليبقى علامة فارقة في تاريخه وتاريخ كل أجيال السبعينيات والثمانينيات، ويقدم برفقة الفنانة هالة فاخر بإمكانيات محدودة جداً، وتألق غير عادي للفنان رحمي عدة أجزاء، غنى فيها يونس بصوته الشجي الذي يشبه ترقرق ماء الترعة ساعة مغربية في الريف المصري.
ورحل الطفل الموهوب ذو الكرش خفيف الظل وحيداً بعيداً عن الوسط الفني، بعد رحلة مرهقة مع المرض، رحل صاحب التلقائية الممتعة، وأحد انبياء الضحكة حزيناً مكسوراً، ليلقى إلينا بحكمة لا تغيب، أن الموهبة بلا طموح تقتل صاحبها.
إنجليزي ده يا مرسي ؟


أرشيفي السينمائي : الإنتخابات في السينما المصرية......إستحياء وخجل

تعيش مصر هذه الايام أجواء إنتخابية لم تشهدها من قبل، ويختار الشعب المصري رئيسه للمرة الأولى، بعد شهور قليله من أول إنتخابات برلمانية بعيداً عن النظام السابق بعد قيام ثورة يناير، ولكن تبقى السينما المصرية بعيدة تماماً عن تلك الأجواء الإنتخابية في كل عمل قدمته، لأنها إنعكاس حقيقي عن مجتمع ظل يتعامل مع الإنتخابات وكأنها تخص شعباً غيره لعقود طويلة، ولا يهتم بها ولا بنتائجها المعروفة مسبقاً، لدرجة أن خلال بحثي في الأرشيف السينمائي، وجدت أن أشهر افلام تعاملا مع العملية الإنتخابية كانت إمبراطورية ميم، وطيور الظلام، والواد محروس بتاع الوزير. وبخيت وعديلة الجردل والكنكة.

أولاً إمبراطورية ميم : الديمقراطية في خدمة الديكتاتور
يستعرض الفيلم الذي كتب قصته نجيب محفوظ وأخرجه حسين كمال وقامت الفنانة فاتن حمامة ببطولته، تمرد الابناء على الأم، لدرجة دعوتها لإقامة إنتخابات تحدد من يحكم الاسرة ويديرها، مع رغبة الأم في الزواج بعد رحيل الاب منذ فترة طويلة، ويستعرض الفيلم خطوات الدعاية التي تسبق العملية الإنتخابية، قبل أن ينتهي نهاية درامية عاطفية بفوز الأم بجميع الاصوات حتى صوت منافسها، في دعوة مختفية إلى الإرتماء في حضن الحاكم بعد تصويره على صورة الأم حتى يبتلعها المجتمع.

ثانياً طيور الظلام : مستقبل مصر كما تحقق بعد 17 عام
يستعرض الفيلم الذي كتبه وحيد حامد وأخرجه شريف عرفة، وقام ببطولته الفنان عادل إمام، ذلك الفساد المستشرى في الوسط السياسي في مصر، والصراع بين التيار العلماني والديني في محاولة السيطرة على الوطن، بإستخدام نفس الاساليب بعد صبغتها باللون المفضل لدى كل تيار، ويستعرض كيف نجح المحامي المتواضع المستوى الإجتماعي في مساعدة الوزير على النجاح في الإنتخابات في دائرة كانت فرصه فيها شبه معدومة بإستغلال الفقر والجهل، وهو ما يتحقق في مصر الأن في الصراع الدائر بين التيار المتأسلم وتيار الفلول.

ثالثاً الواد محروس بتاع الوزير : الفساد الفساد الفساد
يستعرض الفيلم الذي كتبه يوسف معاطي وأخرجه نادر جلال، وقام ببطولته الفنان عادل إمام وصول المجند البسط الذي ذاق طعم الفساد أثناء حراسته للوزير إلى مجلس الشعب، وممارسة كل الطرق الممكنة من آجل الإستفادة بكرسيه.
لم يتعرض الفيلم طويلاً للعملية الإنتخابية لكنه أكد إستغلال الفقر والجهل والتشرذم في التصويت وهو ما أدى لوصول هذا المرشح المغمور لكرسي البرلمان.
رابعاً بخيت وعديلة الجردل والكنكة : لعبة الإنتخابات القذرة
ويستعرض الفيلم الذي كتب قصته لينين الرمللي وأخرجه نادر جلال وقام ببطولته الفنان عادل إمام طريقة ادارة اللعبة الإنتخابية لتخدم مصالح طبقة معينة من رجال الأعمال، قادرة على توصيل مرشحين معينيين بغرض خدمة أغراضهم الشخصية، ويعد بذلك اجرأ الافلام التي تناولت لعبة الإنتخابات.
العملية الإنتخابية في مصر ما زالت تحكمها السلطة والأموال، وما زال الناخب ينقصه الوعي اللازم لإختيار مرشحه الافضل، ولكن عذرا تلك هي  "سنة أولى ديمقراطية.

أرشيفي السينمائي : رسالة إلى إستيفان روستي في ذكرى وفاته!

 طالب بالمرحلة الثانوية، هربت به أمه الإيطالية إلى الاسكندرية خوفاً من أن يختطفه والده الدبلوماسي النمساوي الجنسية ويعود به إلى بلاده، يتم فصله من المدرسة لعشقه للتمثيل، يعمل "بوسطجياً" لمدة 8 ايام، قبل أن يفصل مرة أخرى للسبب ذاته، يهاجر إلى إيطاليا مع والدته ليعمل مترجماً قبل أن يمارس عشقه بالعمل في المجال السينمائي، يعود إلى مصر عام 24 ليقوم ببعض المهام، قبل أن يخرج فيلم ليلى أول فيلم مصري مائة بالمائة، وينطلق بعدها مخرجاً وممثلاً لا ينسى، حياة تشبه الاساطير، وقصة نجاح تشبه تماماً أساطير جبال الأوليمب خاضها إستيفان روستي عبقري الشر الضاحك في السينما المصرية.
أعرف أستاذنا ونجمنا الرائع أنك لن تقرأ هذا المقال، لكن دعني أفضفض لك بما تحويه روحي تجاهك، فأنت لم تكن مجرد حالة فنية عبقرية يندر تكرارها على الصعيد الفني، بل حالة إنسانية مبهرة، توضح ما كانت عليه مصر في القرن الماضب وحتى منتصفه، وتفضح ما وصلت إليه....
رجل أوروبي الأصل، يصير جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية، تعجنه الأسكندرية بترابها الزعفراني المرمري، وتصبغه شمسها ب"قمحيتنا" المميزة، وتتشرب روحه بالثقافة المصرية، فيصير أكثر مصرية من الكثيرين الذين يعيشون فوق أرضها اليوم.
من ناحيتها لم تقصر مصر، بل إستوعبته، واجاد المجتمع توظيفه، ليقوم بدوره على الوجه الأكمل، في نموذج حي على تشكيل الشعب المصري المتعدد الأصول، مختلف الثقافات، الذائب في طمي النيل والمرتبط بعشق الأرض، قبل أن تهب عليه الرياح الشرقية المحملة بالبداوة.
صدقني يا صاحب "نشلت يا فالح"، "يلا أهي موتة والسلام"، و"روح يا معلم، الله يخرب بيتك "، نفتقد وجودك للغاية بيننا الآن، نفتقد حتى أدوارك التي مزجت فيها الشر بخفة الدم، لأن اشرارنا صاروا ثقيلي الدم، لا يجعلونا نبتسم، بل وحتى لا يبتسمون، والطيبون الودعاء لدينا يموتون.
عزيزي الكونت إسمح لي فقط أن ألومك، لأنك علمتنا أن نحب الشرير، لأن بداخله إنسان، ولكن أعتقد أن عذرك أنك لما ترى أشرار هذا العصر، رحلت في منتصف الستينيات ومصر تودع عصرها الذهبي، وتتجه نحو الأسفل، رحلت وأنت لا تملك سوى 7 جنيهات، ورصيد طاغي من المحبة مازالت افلامك تستثمره ويزيد أكثر فأكثر، رحلت رحمة من الله بك قبل أن ترى قباحة الطيبة يا من جعلت الشر جميلاً.


أرشيفي السينمائي : جدع بلا جاه، مرسى الهموم قلبه...... الأصل والصورة

لم يكن ذلك الشاب الطموح، ذو العوينات المستديرة يعتبر تخرجه من كلية الحقوق عام 1962 حدثاً هاماً، بل وربما وهو يسير في الطريق ما بين جامعة القاهرة وبيت والده في الجيزة، كان يفكر في شهادة البكالوريوس كخطوة، ويسأل نفسه كثيراً فيما بعدها، وعندما بدأ حياته موظفاً في وزارة الخارجية، وحتى حصوله على الدكتوراة في القانون الدولي من الولايات المتحدة عام 1974، كان كل ما تغير فيه، أنه ترك شعره للإسترسال على طريقة "الهيبيز".
                                               *********
في الجانب الآخر كان صاحبنا الثاني ، الشاب العاشق، ذو العوينات المربعة، غير سعيد تماماً بتخرجه من كلية الهندسة، قسم العمارة، والتي لجأ إليها كنوع من الإلتحاق بركب الفنون، أي فنون، حتى ولو كانت العمارة، ويوم أعلنت النتيجة، ركب أول قطار عائد إلى مسقط رأسه في الأسكندرية ليفكر في مستقبله، في قصة الحب الوحيدة التي عاشها في حياته، لتك الصور التي تمر سريعاً على شريط سينمائي، عشق السينما، وماهي الخطوة المقبلة لتحقيقه، إلى أن شارك المخرج العظيم صلاح أبو سيف في فيلم الفتوة، وكان عمله يقتصر على تدوين الوقت الذي تستغرقه كل لقطة، لم يهتم كثيراً بشكل العمل الذي يؤديه، لأنه كان مؤمناً بأن الطريق دائماً يبدأ بالخطوة الأولى مهما كانت صغيرة.
                                       ***********
وهذا ما آمن به تماماً صاحبنا ذو العوينات المستديرة، والذي بدا الخطوة الأولى للتغيير في مصر حين انهى عمله كرئيس لوكالة الطاقة الذرية في فيينا، وقرر العودة في نوفمبر 2009 وفي خضم جدل سياسي حول انتخابات رئاسة الجمهورية عام 2011 والعوائق الدستورية الموضوعة أمام المترشحين بموجب المادة 76 المعدّلة في 2007 وتكهنات حول تصعيد جمال ابن الرئيس السابق محمد حسني مبارك، وأعلن احتمال ترشحه لانتخابات الرئاسة في مصر مشترطًا لإعلان قراره بشكل قاطع وجود "ضمانات مكتوبة" حول نزاهة وحرية العملية الانتخابية.
فثار ردود أفعال متباينة في الشارع السياسي المصري، حيث اعتبره البعض رسالة محرجة للنظام من شخصية ذات ثقل دولي مفادها أن عملية تداول السلطة في مصر تحتاج إلي إعادة نظر. بينما رأي آخرون أن تصريحه يعد مسعي حقيقيا لفتح آفاق جديدة للحياة السياسية "المخنوقة" في مصر، حسب وصفه.
قبل أن يخوض معاركه واحدة بعد الأخرى، من آجل نشر فكر التغيير في مصر.
                                            ******************
كذلك كان صاحبنا ذو العوينات المربعة مؤمناً بالتغيير، لذلك بدأ في كتابة فيلمه، يدفعه إحساس قوي بالرغبة في تقديم ماهو جديد وجاد، دون النظر الى إمكانية تنفيذه أو عدمها. وإستغرق في كتابة السيناريو عاماً ونصف العام من التفرغ التام ، متناسياً حتى أزمته المالية، بوالرغم من العروض الكثيرة التي كانت تعرض عليه لتصميم وتنفيذ الديكور الذي اشتهر وعمل به طيبة عقد كامل، إلا أنه وجد نفسه غير قادر على عمل أي شيءسوى فيلمه الأول، وشعر بأنه سيكذب عليهم وعلى نفسه لو قبل بالعمل فيها.
وبعد الإنتهاء من السيناريو ، بدأ في بالبحث عن طريقة لتنفيذه، وقتها كان يعمل مع المخرج العالمي روسيلليني، فعرض عليه السيناريو، وبعد أن قرأه لم يصدق بأن هذا السيناريو يبحث عمن ينفذه. فأخذه فوراً الى وزير الثقافة المصري، وكان ذلك بمثابة تزكية وإعتراف صادق من مخرج عالمي كبير، بأهمية الفيلم وأهمية تنفيذه، لذلك دخل السيناريو ضمن مشاريع مؤسسة السينما، ليتم تنفيذ الفيلم ويحصد العديد من الجوائز العالمية التي تشير إلى فنان مختلف قد يضع السينما المصرية والفن في مصر في مسار جديد.

التغيير الذي اشار إليه ذو العوينات المستديرة، كان سيضع مصر ايضاً في مسار جديد، لذلك تمت محاربته بقسوة من نظام التحم بالسلطة، واعتنقها، وعبدها، ونسى كل ما سواها، وبدأ تشويهه رسمياً عن طريق الإعلام الرسمي، صحف وفضائيات وقنوات أرضية، اتهموه بالماسونية دون أن يعرف أكثر من 90% من الشعب المصري ما هي الماسونية، اتهموه بالعمالة، واتهموه حتى بالكفر، وحتى بعد ثورة يناير، استمرت الإتهامات من الإسلاميين تارة، ومن فلول النظام تارة، ليقرر الرجل ذو العوينات المستديرة، الشهير بـ"محمد البرادعي"، الإنسحاب من سباق الرئاسة، لتقضي مصر وشعبها على حلم جميل، لامس خيال مصر النائمة في الفساد، فأيقظها، ويعود الرجل إلى بيته هذه المرة راكباً سيارته، دون أن يسأل نفسه وماذا بعد، فعليه للمرة الأولى أن لا ينظر للمستقبل، لضيق الحاضر.
                                              ******************
أما صاحبنا ذو العوينات المربعة، فبعد نجاح فيلمه الأول، وكتابة فيلمه الثاني، وبحثه عن وسيلة لإنتاجه، وبعد توليه رئاسة مركز الفيلم التجريبي التابع لهيئة السينما، وصناعة أربعة افلام قصيرة، غلا أن حلم تقديم "اخناتون" بقى مسيطراً عليه، وبسبب تعنت المؤسسة الرسمية، الجهة المنتجة شبه الوحيدة في ذلك العصر التي تستطيع إنتاج فيلم في ضخامة هذا السيناريو، صرح صاحبنا الشهير بـ"شادي عبدالسلام" يوماً أنه قد يعتزل العمل السينمائي، وإنه سينصرف الى تربية الدواجن.
قبل أن يعود إلى بيته يوماً في نهاية عام 82، حريصاً على عدم التفكير في الغد، محتضناً سيناريو إخناتون، مشاهداً لفيلمه المومياء، حتى رحمه المرض من قسوة الأجهزة الثقافية المسئولة عن الإنتاج السينمائي التي شلت فناناً حلم بالتغييرن فكان حلماً مس الواقع الفني في مصر، وكاد أن يجمله، لولا أنه يعتنق القبح.
كلاهما زماراً لم يطرب حيه، ونبي مهان في وطنه.

أرشيفي السينمائي : "The Artist" .... الإبداع يستحق قدراً موازياً من الجنون!!!

 فاز فيلم "الفنان" بأول جائزة أوسكار في التاريخ تمنح لفكرة، حيث أعتقد أن الفكرة بمجرد أن خطرت في بال ميشال هزنافكوس وقبل أن يتم حتى تطويرها لتصل إلى الفيلم الذي شاهدناه، كان يعرف جيداً أنها فكرة فائزة، وأنه بلا شك يصنع فيلماً عظيماً.
يبدأ الفيلم بمشهد جامع للفكرة الأساسية، حيث يتم تعذيب البطل على الكرسي الكهربائي، وهو يصرخ دون توقف من فرط الآلم دون أن يكون هناك صوت، معبراً عن البداية الحقيقية للسينما، حيث لا مؤثرات، لا سيناريوهات طويلة، لا حوار، حتى الموسيقى التصويرية تعزف مقطوعاتها داخل قاعة السينما، إلا أن الأكثر إبهاراً في الفيلم التي بلغت مدة عرضه 97 دقيقة، أنك لا تكتشف إنه فيلم صامت سوى في مشهد النهاية عندما يهتف المنتج عقب رقصة البطلين "عظيم"، ويرجع ذلك للمجهود الكبير الذي بذله صناع الفيلم للاقناع ، التوزيع الجيد للوقت مع سيراء الاحداث في حفاظ رائع على التماسك، الموسيقى المبهرة التى تحدثت كثيراً عندما صمت الممثلون، ويبقى العنصر الأهم أن صناع الفيلم نجحوا في إحياء اللغة البصريةالقديمة، كذلك طريقة التصوير وأداء الممثلين، وحركة الكاميرا والديكور والملابس وكل العناصر بدقة مفرطة، أعادت العصر القديم بين يدينا.
وربما كان التنافس هذا العام بين فيلمي الفنان و هوجو على جائزة الفيلم الأفضل، وكلاهما يحتفي بالسينما، حيث يحتفي الفنان بالفترة  ما بين 1894 إلى 1929 حيث ازدهرت السينما الصامتة وصنعت نجوماً في حجم "جورج فيلنتين" الذي لعب دوره النجم الفرنسي المتألق جان دوجاردان، ثم التحول الرهيب للسينما المتكلمة في الفترة ما بين  1929 إلى 1932 و تأثيرها الكبير في أحد النجوم الكبار في صناعة السينما الصامتة آنذاك والتي أدت إلى جلوسه في المنزل عاطلاً مقلساً بلا عمل، ليبدو الحوار الشخصي لبطل الفيلم في خلفية تطور السينما كعمق إنساني يتعاطف معه المشاهد، دون أن يبدي إنبهاره بالتطور..
فيلم الفنان مغامرة ممتعة، تدرك من اللحظة الأولى أن التاريخ سيخلدها لأنها تستحق، ولأن الجهد المبذول فيها يستحق، وأن من صنعوه امتلكوا قدراً كافياً من الجنون تحتاجه الحياة من أجل أن تظل نابضة حقيقية، ممتعة مبهرة.

أرشيفي السينمائي : للأنوثة إختصار يسمى ... سعاد حسني

عندما قرر الله اختصار الأنوثة ولدت سعاد حسنى البابا في حي بولاق في احد ليالي شتاء القاهرة عام 1943، والتي اشتهرت فيما بعد بـ"سندريلا الشاشة العربية" سعاد حسني، تلك المرأة الحلم التي داعبت خيال كل رجل، ومرت في أحلامه شاء أم أبى، تلك الفنانة العبقرية التي قدمت كل الأدوار واتقنتها، فعشقتها الشاشة وعشقها الجمهور.
اكتشف مصادرها منذ الصغر فكانت إلهاما للبراءة والشقاوة والحب والجنس، وحتى المعاناة والألم.
وان كانت سندريلا في قصتها الأصلية قد عانت من زوجة الأب الشريرة، التي فضلت بناتها عليها، حتى اضطرتها للعمل كخادمة، الا أن حضرت حفلة الأمير بمساعدة ساحرة طيبة لتبهر الجميع، وغادرتها مسرعة في موعدها الساعة الثانية العاشرة صباحا تاركة حذائها، ليستدل به الأمير عليها فيما بعد.
فان سعاد حسني عانت تماما من الدنيا كزوجة أب شريرة، بكل ظروفها القاسية التي منعتها من التعليم، وجعلتها تعاني من شظف العيش، الا أن ساعدها ساحرها الطيب عبدالرحمن الخميسي في تقديمها الى مملكة السينما، لتبهر الحضور بكل ما تملكه من موهبة وأنوثة.
ولتعلم نفسها بنفسها، وتثقفها أيضاً بمعرفة استاذها الثاني صلاح جاهين، لتغادرنا مسرعة بطريقة مفاجئة أيضاً هذه المرة مثل سندريلا تماماً، ولكن دون موعد محدد، رحلت سعاد تاركة افلامها نستدل بها عليها، وان كنا لن نجدها جسداً، إلا أنها ستبقى دائماً رمزاً للفن والأنوثة، عاش حلما، ورحل لغزاً .

أرشيفي السينمائي : في ذكرى ميلاده ....سر العلاقة بين ''تشي جيفارا'' وعاطف الطيب!

يقول تشي جيفارا : انني أحس على وجهي بألم كل صفعة توجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني، وهكذا كان كان عاطف الطيب الذي أينما وجد الظلم كانت أفلامه، مخرج مصري حلم صغيراً أن يكون ممثلاً، قبل أن يكتشف أن السر في الصنعة يعود للمخرج، فقرر أن يصبح مخرجاً وكان.
يقول البعض أن أصحاب الحظوة يرون نهايتهم بقلوبهم، وفيما يبدو أنه كان واحداً منهم، وكان يعرف أن العمر قصير، فقدم 21 فيلما في 16 عاماً ليكون أغزر جيله إنتاجاً، وتماماً كما كان جيفارا مؤمناً بالثورة لدرجة جعلته يستقيل يوماً من الحكومة الكوبية بعد إسهامه في نجاح ثورتها، ليقود الثورة في غابات بوليفيا، كان عاطف الطيب يؤمن بالفكرة بغض النظر عن درجة جودة السيناريو، ويقوم بتنفيذها بكل كيانه بغض النظر عن تقنيات الإخراج والتصوير ورؤية المخرج، ولنا في هذا أمثلة كثيرة مثل فيلم الحب فوق هضبة الهرم الذي لم يقدم جديداً في المعالجة الدرامية وبدا تقليدياً في تركيبته وكتابته للسيناريو، واعتمد على تكثيف الحوار، ولكن جمال الفكرة وتمردها هو من صنع النجاح، فيلم كتيبة الإعدام التي فشل السيناريو فيها في توصيل فكرة الفيلم التي اعتبرت الإنفتاح خيانة لحرب اكتوبر، بتسطيحه للشخصيات الرئيسية للفيلم ولم يقدم مبرراً لفكرته، وكذلك التخشيبة وملف في الأداب، وغيرهم، إلا أن الثائر المبدع داخل الطيب والذي اهتم في الاساس بهموم الناس في فترته الزمنية فيلم يقدم إلا أفلاماً تتحدث عن فترة الانفتاح وما تلاها حتى تسعينيات القرن الماضي وهي الفترة التي عاصرها، وكان همه الأساسي هو عرض القهر الاجتماعي والبوليس والاقتصادي الذي يعاني منه المواطن المصري ، وعلى الرغم من أنه لم يتبنى مدرسة فنية محددة لتظهر في كل أفلامه، وأنه لم يكن يهتم بجماليات الكادر والصورة، وإختيار زوايا التصوير وحجم اللقطة، قدر إهتمامه بالموضوع، وهو ما يؤكده تصريح الطيب نفسه حين قال "إني أتلمس المشاكل التي تهم المواطن من الطبقة المتوسطة ، وبالذات من أبناء جيلي... . و .. ... يجب أن نكون شاهدين على عصرنا ، بلا تزييف أو تشويه .. فأنا أترجم ما يمكن أن يمس كل ما يعتمل داخل الناس ، ويؤثر فيهم .. كل ما يهزهم في حياتهم اليومية . وخلاصة القول .. أن نحاول التعبير بصدق وأمانة .. عيوننا على ما يحدث في مجتمعنا .. في الحياة ، ونشحن هذا بأعمالنا الفنية ... ".
*****
ولا يفوت متحدث عن عاطف الطيب أن يتناول تحديداً 3 افلام من مجمل أعماله سواق الأتوبيس، البريء، الهروب، حيث كان سواق الأتوبيس أول أفلام عاطف ثورة فعلية في السينما المصرية، حيث قدمت الواقعية التي قدمها العظيم صلاح أبو سيف، بواقعية جديدة، تحمل رسالة شديدة الأهمية، بلا مباشرة وبلا سطحية بعيداً عن تلك الخطب الرنانة في بعض الأفلام والتي تصلح للطباعة على خلفية "كراريس" اطفال المرحلة الإبتدائية، بينما كان البريء صرخة شديدة العمق لتوضح كم القهر الذي تتعرض له مصر، وكيفية تصاعد الدولة البوليسية في مصر والتي استفحلت فيما بعد، أما الهروب فهو على حسب رأيي الشخصي هو أعظم افلام الطيب على الإطلاق، حيث نجح الفيلم في تقديم قضايا كبرى تمس الوطن من خلال قضايا شخصية فرعية، من خلال عرض قضية الانتقام التي تصل حتى اسلوب العمل البوليسي في مصر، ونلحظ في كل هذا أن نتحدث عن الفكرة في العمل ونمجد فيها دون الخوض في التفاصيل، هكذا كان عاطف الطيب، يؤمن بالفكرة ويقدمها بغض النظر عن أي جوانب أخرى، كذلك كان جيفارا يؤمن بالثورة لدرجة جعلته يركب قارباً مع 80 شخصاً ليحرروا كوبا يوماً ما.
عاطف الطيب أحد المخرجين الذي كتبوا تاريخهم من نور في سجل السينما المصرية، والذين سيبقوا للأبد كعلامة تاريخية عظيمة، نثق الأن أنه يتابع بإهتمام ثورة بلاده وهي تنتفض ضد القهر الذي دعا إلى التمرد عليه طيلة عمره.

أرشيفي السينمائي : أحبني إن كنت تجرؤ !!!

أستميحك عذراً عزيزي القاريء في أن أكتب عن فيلم فرنسي يدعي Love Me If You Dare، أو بلغته الأم Jeux d'enfants، أو بلغتنا العربية طبقاً للترجمة الإنجليزية "أحبني إن كنت تجرؤ"، أو "اللعبة" حسب الترجمة الفرنسية، وهو فيلم لم يعرض تجارياً في مصر التي إعتاد المسيطرون على السينما فيها عرض الأفلام الأمريكية فقط، وتم إنتاجه عام 2003، من بطولة النجمة الشهيرة ماريون كوتيارد، والنجم جيوم كانيه، تأليف وإخراج يان صمويل، وهو فيلم رومانسي يحكي قصة حب طويلة بدأت بين طفلين حتى لحظة وفاتهما.
الفيلم يشبه تماماً أساطير العشق التي سمعنا بها وتحاكينا عنها في مراهقتنا وحتى في نضجنا، قصة تبدأ بين طفلين ينتميان لبعضهما بطريقة ما تعتمد على "علبة" أطفال، تبقى تلك "العلبة" محور حياتهما في تبادل الألعاب والأحكام بين بعضهما البعض، بين إعتراف خاطف بالحب يعقبه إنفصال طويل عقب رفض والد الشاب إرتباطه بالفتاة ذات الأصول البولندية، محملاً إياه سبب وفاة والدته، مهدداً إياه بالرحيل عن حياته، ثم لقائهما بعد ذلك لفترة قصيرة، يرفض خلالها الشاب الإعتراف مرة أخرى بمشاعره على الرغم من إفساد الشابة زواجه، قبل أن يغيبا لمدة 10 سنوات ليلتقيا بعد أن تزوج كلاهما، ثم يقرران في ظروف مجنونة العودة لغرامهما القديم، والدفن في حوض أسمنت.
السيناريو مبهر، جديد تماماً في تناوله لقصة غرامية، تعتمد على رومانسية كوميدية تناولتها الأفلام الأمريكية بسطحية كبيرة، حيث يظل المشاهد مبهوراً بقدرة البطلين على تبادل تلك "العلبة" مصدرين أحكاماً على بعضيهما تشبه أن يأتي الشاب للفتاة بقرط إحدى الفتيات، في أن يضرب كليهما مدرب "الجيم" العملاق بالقلم، في أن يؤمر أحدهما الآخر بالغياب لمدة 10 سنوات، يعتمد طوال مدة الفيلم التي تصل إلى 93 دقيقة على إثارة دهشة المشاهد ومفاجأته من حين لآخر - بالبلدي يتعب قلبك -.
ينزعج المشاهد من ذلك الغياب المتعمد بين عاشقين يبدو الحب واضحاً بينهما، لكنه يعجز عن كبت إبتسامته مع كل عودة، يواجه ألغازاً في البداية، يتم حلها بمجرد والوصول لنهاية الفيلم، كذلك كان أداء الطفلين الذين قدما الشخصيتين في الطفولة مبهرا، حيث تشعر خلال كل لمحة بكم من "الشقاوة" يثير اللهاث، يتحول مع أداء البطلين إلى حالة غرامية يعجز معها المشاهد عن منع قلبه من النبض.
فيلم "أحبني إن كنت تجرؤ" فيلم يعيد تعريف الحب لدى مشاهديه، يعيد تقليم أظافر المادية التي احتلت أرواحنا، أمام قصة غرامية، أصر بطلاها في النهاية على أن يتركا العالم بما فيه، بما لهما وعليهما، ليموتا سويا، محتضناً كلاً منهما الآخر بينما يصب عليهما "خلاط" الأسمنت شحنته القاتلة، فيلم يهدم تلك القواعد التقليدية عن شكل الحب داخل كلاً منا، يعلمنا أن الحب أغلى ما في الحياة، ومن آجله تبذل الأرواح، لا من آجل الكراهية.

أرشيفي السينمائي : في ذكرى ميلاد ليلى مراد..... قيثارة السماء

 أشار الكاتب الساخر الكبير أحمد رجب في كتابه "الأغاني للارجباني" أنه كان يتخيل في طفولته أن المطرب نوعية خاصة من البشر، يفتح فمه ليتكلم، لتخرج منه موسيقى مصاحبة لكلامه، وكان هذا بالنسبة له قبل أن يعرف ما يسمى بالآلات الموسيقية، والفرق العازفة، وبالنسبة لنا قبل أن نتمعن النظر في صوت وسيرة قيثارة السماء ليلى مراد، تلك الطفلة التي وقفت على المسرح عام 1930 في أول حفل غنائى لها أمام جمهور غفير على مسرح رمسيس و كان عمرها لا يتجاوز الثانية عشر عاماً ، قبل أن تبدأ عام 1934 في الغناء كل يوم ثلاثاء في الإذاعة المصرية، ليكتشف الجمهور وجود صوت موسيقى فريد مثير للدهشة، قادر على خلق الأحلام، ديكتاتور يجبر القلوب على السعادة، والأجساد على الرقص.
إلا أن هذا الصوت لم يكن مقدراً له فقط أن يظل صوتاً يطرب السامعين بأغانيه الخفيفة، بل ليحدث نقلة كبيرة في تاريخ السينما المصرية، لتصل ليلى مراد في نهاية الأربعينيات إلى الحصول على أجر عشرة ألاف جنيه، لتتخطى كل نجوم الغرب حينها وعلى رأسهم نجوم هوليوود، في إشارة واضحة إلى أن إيرادات أفلامها تخطت هذا الرقم وحققت نجاحاً ما بعده نجاح، في زمن لم تكن تذكرة السينما تتعدى فيها قرشين صاغ.
وقد ظهرت ليلى مراد فى فيلم من أوائل أفلام السينما الناطقة فى مصر وهو فيلم "الضحايا" و لكنها ظهرت بصوتها فقط  فقد طلبت منها الفنانة بهيجة حافظ بطلة و منتجة الفيلم أن تغنى أغنية الفيلم يوم السفر التى كانت من ألحان محمد القصبجى ، وقد دفعت لها أكبر أجر تقاضته فى ذلك الوقت وهو خمسون جنيهاً، قبل أن يقدمها المخرج محمد كريم بطلب من الموسيقار محمد عبدالوهاب في فيلم يحيا الحب عام 1938، إلا أن مكتشفها السينمائي الحقيقي هو المخرج توجو مزراحي الذي قدمها في خمسة أفلام ناجحة لتضع النجمة قدمها على سلم سماء السينما. وكان زواجها من الممثل والمخرج والمنتج أنور وجدي بداية سلسلة طويلة من الأفلام الناجحة قبل أن تعتزل التمثيل عام 1955 وهي في قمة نجاحها.
اعتزلت قيثارة السماء قبل أن تبلغ الأربعين، لتحرم أجيالاً من تدفق نغماتها، ولكن مَن منا ينسى  "أنا قلبي دليلي"، من فينا لا يحفظ "أبجد هوز"، مين فينا لا يفتقد دلع القيثارة وهي تنادي العملاق نجيب الريحاني في فيلم غزل البنات : حمام أنا عايزة حاجة.
ليلى مراد تلك الحالة الخاصة جدا في تاريخ مصر الفني، تلك اليهودية المصرية التي عشقها شعب مصر بأكمله وشكلت في وجدانه بعداً حميمياً رائعاً، أحد الأدلة التاريخية على أن الفنون تدعو للوحدة، بينما يدعو السياسيون والدعاة للفرقة، رحم الله ليلى مراد في ذكرى ميلادها.

أرشيفي السينمائي : اللقــــــــــــــاء الأخير

 أمام تلك المدخنة العتيقة التي ينبعث منها وهج الأخشاب المحترقة على إستحياء من ذلك البرد القارص، جلس الرجلان في مواجهة بعضهما البعض، الرجل الاشيب الأكبر سناً بدا أكثر هدوءً بوجهه البيضاوي وتلك الجبهة العريضة التي انحسر الشعر قليلاً عن مقدمتها، ليظهر تأثير الحاجبين على تلك العيون ذات النظرة الماكرة، وبدا الهدوء مفعماً يابثقة مع ارتفاع هذا الأنف الروماني قليلاً لأعلى، وأخذت يده اليمنى تتلاعب بهذا الشارب الهائل الذي أخفى تقريباً تلك الإبتسامة الساخرة على الوجه.
أما الرجل الثاني الذي أخذ يدخن غليونه بلا إنقطاع، حيث بدا التوتر واضحاً على وجهه النحيل، الذي شكل مع زيه وطريقته الشكل المثالي  لسيد إنجليزي من الطراز الفيكتوري، وعيناه الحادتان الدقيقتان ترمق الرجل الآخر أمامه بغضب، جعله يتحسس أنفه المعقوف في كل لحظة.
أشار الرجل الأكبر سناً بإبهامه إلى الشاب كاسراً الصمت : نعم قتلتك، واستجبت للضغوط وأعدتك للحياة، ولكني سوف اقتلك مرة أخرى، ذلك قراري ..أنا صنعتك وأنا أنهيك
انتفض الشاب من على مقعده، فسقطت منه عدسة مكبرة، لم يلتفت لسقوطها الذي أحدث صوتاً مدوياً، ولكنه اقترب من الرجل الأشيب مهددا : ستموت أنت وسأبقى أنا، هذه سنة الحياة، أنا الأهم، أنا الأكثر شهرة.
انشغل الرجل الأشيب بمتابعة تلك الآثار المبللة التي تركها حذاء الشاب على سجادته الفاخرة، وقال بإهمال متعمد : كالعادة لم تجفف قدميك جيداً عند الباب.
زاد إنفعال الشاب لذلك التجاهل المتعمد فأعطاه ظهره مردداً كمن يلقي شيئاً حفظه : لقد حصلت على لقب "سير" بسببي وبفضلي، لقد أنقذتك من فشلك كطبيب، بعد 8 سنوات قضيتها في الفشل، أنا من أعدت إحيائك..أنا شارلوك هولمز.
ابتسم  آرثر كونان دويل على أثر العبارة الأخيرة، ونهض متثاقلاً تجاه المدفأة ليمد يديه طلباً للمزيد من الدفأ، قبل أن يقول بصوت رخيم: منذ صنعتك في قصة  "الغرقة ذات اللون القرمزي" وحتى قتلتك في قصة "قضية شارلوك هولمز"، ثم أعدتك للحياة بناء على رغبة الجماهير، وأنا أعرف أنك ستنقلب علي، لذلك سأدعك تعيش عالمك، وليتلاعب بك مخرجو السينما ألاف المرات، ويهزئون منك، ويصنعون منك بطلاً أو وغداً، بينما سأتفرغ أنا لهوايني الآثيرة.
قاطعه الشاب مبتسما سعيداً بإنتصاره : صيد الحيتان، ستعاود صيد الحيتان سيدي "السير"
ابتسم كلاً منهما للآخر، إبتسامة باهتة حملت من الكراهية أكثر من الصفاء، وتصافحا، قبل أن يغادر الشاب قصر المؤلف، لينتهي اللقاء الأخير بين الكاتب الكبير آرثر كونان دويل مبتكر شخصية شارلوك هولمز، وشخصيته المبتكرة التي فاقته شهرة، وعاشت بينما رحل هو.