27‏/08‏/2012

أرشيفي السينمائي : عائشة الكيلاني..... أيقونة نسائية في السينما المصرية

 خلق الله حواء جميلة، ليسكنها آدم، وعلى مر العصور كانت حواء تستخدم هذا الجمال تارة في إغواء آدمها، وتارة في هدايته، ولكنها بقيت دائماً جميلة، وحلل الفلاسفة هذا بأن داخل كل إمرأة نوعاً من الجمال لا يكتشفه إلا رجلاً يحبها، لتزهو به بقية عمرها مهما كانت وظيفتها، أو درجة تعليمها، كلهن حواء يحببن أن تصف جمالهن وتتغزل فيه، إلا صاحبة هذا المقال، والتي اشتهرت عبر عشرات الأدوار التي قدمتها بأنها المرأة التي لا تملك أي ملمح من ملامح الجمال، فقط الكثير من خفة الظل، وبقيت حبيسة هذا الدور تبدع فيه تارة وتكرره مرات أخرى حتى مضى عصرها وبقى دور المرأة القبيحة مسجلاً بإسمها في السينما المصرية.
عائشة الكيلاني خريجة المعهد العالى للفنون المسرحيه قسم التمثيل عام 1987، التي قدمت أول أدوارها في رائعة عاطف الطيب الحب فوق هضبة الهرم قبل أن تتفجر موهبتها الكوميدية في فيلم سيداتي آنساتي نموذج خاص جداً للمرأة، يكشف جمالاً قلما يدركه الرجل الشرقي، جمالاً حرصت على إخفائه بالمزيد من المكياج القبيح الذي يخفي ملامح وجه خلق للإبتسام، لتؤكد نفس النظرية التي طرحها الفلاسفة من قبل بأن الله لم يخلق إمرأة دميمة، نجحت خلال عشرات الأدوار أن تقتعنا بأن "العرسان" يهربون منها لدمامتها، لا يحبونها، وعشقها الشعب المصري بأكمله، رجاله قبل نسائه.
ولكن تماماً كما اعتادت العصافير الحبيسة الفشل خارج جدران الأقفاص، فشلت عائشة الكيلاني في التحليق فنياً خارج هذا الدور، الذي ينزوي تقريبياً مع رحيل فترة الشباب، لتختفي صاحبة الدور الواحد من على الشاشىة تدريجياً، ويغفل صناع السينما عن موهبة كبيرة تفرغ من سبقوهم في إهدارها خلف قناع المرأة الدميمة، وبقيت مثلاً يتندر به الشباب عندما يسألهم رفاقهم عن سر إبتعادهم عن فتاة أو رفضهم لها، أو حتى إمرأة تنتقد جمال إمرأة أخرى، لتهب نفسها على مذبح لم تستخدمه إمرأة قبلها.
لتبقى عائشة الكيلاني - شاء من شاء وآبى من آبى - في ذكرى ميلادها قنبلة كوميدية ضخمة لم تجد المخرج الجريء القادر على تفجيرها خارج الإطار التقليدي، ولتفقد السينما المصرية إحدى حفيدات زينات صدقي المبدعة الرائعة.

أرشيفي السينمائي : ''هوجو'' .... درس بليغ عن العودة للحياة!

 عندما تشاهد فيلماً يبهجك، يغير من حالتك النفسية من السيء للأفضل، لا تخجل من الصراخ بصوت عال قائلاً : هذا فيلم عظيم.... ينطبق ما سبق تماماً على فيلم هوجو للمخرج الرائع  مارتن سكورسيزى الذي قدم من قبل أفلاماً شديدة التميز عن أبطال عصابات وعن مافيات عنيفة يتسم أفرادها بأخلاقيات وصداقات وغراميات من نوع خاص . ورغم البشاعة التي تحيط بهم وحالات العنف التي تتلبسهم ، كان يقدمهم بصورة واقعية للغاية، جعلت منه أحد رواد الواقعية السينمائية في العالم، لكنه هذه المرة يجوب بمشاهديه عالم جديد من الخيال عبر "حدوتة" شديدة الجمال والإنسانية، أضاف إليها بمهارة شديدة إحتفاءً خاصاً بالسينما عبر تقديم سيرة ذاتية لأحد أهم صناع السينما في بدايتها جورج ميليس الذي قدم 503 فيلماً في الفترة ما بين 1895 و 1913 حتى توقف عن العمل نتيجة الحرب العالمية الأولى .
وكما عودنا سكورسيزي دائماً بأنه مخرج المكان الواحد مثل المدن الموحشة والمنازل الكئيبة والشوارع الخلفية والكازينوهات المليئة بالهمجية في أفلام كازينو ، سائق التاكسي ، الجزيرة المحطمة ، يخوض بنا تجربته السحرية هذه المرة داخل محطة قطار يسكنها بطله الطفل الذي يعمل على ضبط ساعات المحطة، حالماً بإصلاح رجل آلي هو كل ما تبقى له من والده، حتى يلتقي المخرج العظيم المعتزل الذي ييدير محلاً لبيع الألعاب، ليكشف كلاً منهما للآخر عالما سحرياً للسينما التي ظن الرجل الكبير بأنها ضاعت وأكلها النسيان.
وكعادته يقدم سكورسيزي عالمه الجمالي الغني بالمعايير والقيم والعواطف الإنسانية ولكن هذه المرة دون فوضى وعنف، بل ويقدم أيضاً كعادته رسائل هامة تدعو لحب الحياة وإعادة إكتشافها بعيداً عن حبكة الفيلم مثل حديث الطفل هوجو مع صديقته إيزابيل حين يقول لها "الآلات لا تحتمل قطعاً زائدة، والدنيا تماماً كالآلة ليس فيها قطعاً فائضة عن الحاجة، ونحن البشر قطعها، فليس منا من ليس له دور"، كذلك الخطوط الفرعية المبهرة لمفتش البوليس القاسي نتيجة إصابته في الحرب والعاشق البسيط لبائعة الورد، وأيضاً بائع الجرايد وصاحبة المقهى.
فيلم هوجو هو إعادة ميلاد للمخرج العظيم الذي قال يوماً عن نفسه في حوار صحفي "" إنني اشعر بالخوف . وقد تكون التكنولوجيا هي السبب ، وهذا يعود بنا إلى الوراء للثورة الصناعية . نحن نفقد ذواتنا بطريقة ما ، نفقد الإحساس بمن نحن . لقد فقدت الاتصال مع العالم الجديد واشعر إنني مغترب عنه ، فأنا لا أستطيع أن أقوم بتشغيل كومبيوتر ! وكل فيلم اصنعه هو عن عالم لا وجود له الآن "، فيقدم فيلماً ثلاثي الابعاد بـ"تكنيك" شديد الجمال، لم ينسى خلاله أن يؤدي التحية لبدايات السينما.
"هوجو" فيلم خيالي ارتمت الواقعية بين أحضانه، ليقدم لنا عالماً شديد الروعة مليئاً بالبهجة يستحق أن تشاهده عدة مرات، لتعلم أن الحياة مازالت تستحق المزيد من الجهد والمثابرة، يعود خلال أحداثه جورج ميليس للحياة، ويعود سكورسيزي ليقدم حياة إخراجية جديدة، شكراً سكورسيزي على تعليمنا فن الحياة.

أرشيفي السينمائي : ريتا هيوارث..المرأة التي علمت ''فينوس'' الغيرة




لم تشعر فينوس إلهة الجمال بالغيرة إلا عندما سطع نجم ريتا هيوراث، تلك الممثلة الأميركية المولودة في في 17 أكتوبر 1918، والتي توفيت في 14 مايو 1987، ليستريح قلب فينوس.
اعتبرها الأمريكيون - وغالباً العالم أجمع - إلهة الجمال البشري على الأرض بعد أن قدمت فيلم دورها الشهير في فيلم " جيلد " Gild وأدائها الذي أوصلها للقمة في عالم السينما، وباتت ملامحها الرومانية وشعرها الأحمر رمزاً للأنوثة، لدرجة أنها صرحت بعد ذلك أن كل الرجال الذين عشقوها، كانوا يحبون شخصية "جيلدا" في الاساس.
وعلى الرغم من جرأتها الشديدة على الشاشة كانت ريتا رقيقة خجولة، ولكن هذا لم يمنعها من التحول لرمز قومي أمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، بعد أن اصبحت هي المنفذ الترفيهي الاصيل للشعب المشتبك في حرب طاحنة، حيث قدمت العديد من الافلام الموسيقية الغنائية الراقصة.
نشأت ريتا على المسرح حيث كان والدها راقص اسباني، علمها الرقص بمجرد إنتهاء مرحلة الرضاعة، ليكون الرجل الأهم في حياتها، قبل أن يأتي الأمير علي خان ليجعل من ريتا هيوارث أميرة وأسطورة) فتزوجها عام 1949 في قصر بكالوريس، وقدم لها سته عشر كيلو جرام من الماس والاحجار الكريمه ولما كان علي خان مسلما ومتعود على نظام تعدد الزوجات فأثار مشكلة لريتا وجعلها في موقف حرج امام المتشددين الامريكين فقاطع اتحاد النساء افلامها، مما تسبب في الطلاق بين ريتا وعلي خان بعد اربع سنوات من الزواج.
وكعادة الاساطير تبقى دائماً الشخصية محور القصة مليئة بالحزن داخلها، باحثة عن الإستقرار، فالمرأة الرمز قد تزوجت 5 مرات، واعتبرت كل من تزوجها إما ليستثمرها، أو ليستغل جمالها، لتبقى فتاة أحلام رجال الاربعينيات والخمسينيات تبحث عن فتى أحلامها.
وكالعادة ايضاً بوجود فاجعة في حياة كل أسطورة، تصاب الفنانة العالمية بمرض "ألزهايمر" قبل أن تتوفى به في نهاية الثمانينيات، تراكة القلوب مكسورة برحيل فنانة أجبرت النقاد على إحترام موهبتها، ولم تتوقف فقط عند جمالها لتقدمه على الشاشة.
رحلت ريتا هيوارث أول مرأة رسمها الفنانون على الجدران والحوائط، وبقت افلامها وجمالها رمزاً لا ينسى.



أرشيفي السينمائي : رياض القصبجي...الطيب والشرس والجميل

 لم يستطع منع دموعه من لقاء خديه عقب إستدعائه للتمثيل في فيلم "الخطايا"، لم يكن تعافى بشكل كامل من الشلل النصفي الذي أصابه في بدايات الستينيات، ولكن حسن الإمام طلب منه أداء أحد الأدوار في الفيلم...أسرع "أبو الدبل" إلى موقع التصوير، استقبله طاقم الفيلم بحفاوة، لكن اللمخرج الكبير أدرك منذ النظرة الأولى صعوبة مواجهته للكاميرا، حيث أثر الشلل النصفي على تعبيرات وجهه، كما بدا مرهقاً ومريضاً للغاية، حاول ملاطفته ومداعبته، وإقناعه بعدم تأدية الدور، ولكنه أصر، بعشق لم يخمد في القلب للكاميرا، وافق الإمام على مضض، ووقف أبو الدبل ليؤدي أول مشاهده في الفيلم بعد غياب، ولكن مع دوران الكاميرا سقط الجسد الضخم، لم يحتمل الحركة، وعادت الدموع لمصاحبة الخدين هذه المرة ولكن أكثر ملوحة، دموع الحزن دائماً أكثر ملوحة، وودع رياض القصبجي الشهير بـ"ابو الدبل" الكاميرا للمرة الأخيرة، حيث توفى بعدها بعام.
                                                          *****************
علمونا صغاراً أن الطيبين الودعاء جميلي الخلقة، تبوح ملامحهم بالطيبة، وحرصت مجلات "الكوميكس" وأفلام الرسوم المتحركة على تأكيد تلك المعلومة، وعلى العكس تماماً كان الأشرار..غلاظ الملامح طبقاً لنظرية لومبروزو التي تقوم على أساس أن هناك أشخاصاً يتميزون بخصائص جسدية وملامح عضوية خاصة وسمات نفسية معينة ، وأن هؤلاء الأشخاص ينقادون إلى الجريمة بتأثير العوامل الوراثية ويندفعون إلى الإجرام بحكم تكوينهم البيولوجي ، اندفاعاً حتمياً. لا يكون حياله من سبيل للعلاج سوى استئصاله من المجتمع.
ولكن رياض القصبجي آتى خصيصاً ليسقط تلك النظرية بل وليصبح اشهر "شاويش" شرطة وجيش في السينما العربية، وفي الواقع تصبح طيبة قلبه مع غلاظة ملامحه دليلاً على فشل نظرية العالم الإيطالي
                                                      *********************
يرتفع نفير القطار إستعداداً لمغادرة المحطة، يقوم صاحبنا بإستعدادته لممارسة عمله كـ"كمسارى" على خط القاهرة - بورسعيد، ينتهي من مهمته في الساعة الأولى ثم يتفرغ دون وعي لمراقبة المسافرين، يدهشه كثيراً ذلك الشاب الحريص على مداعبة كل ركاب العربة، وبث الضحكة في نفوس الجميع، عبر إطلاق التعليقات الساخرة، يترك العربة مطمئناً عليها، وفي عربة أخرى يساعد إمرأة عجوز فشلت في العودة لمكانها، يبتسم عندما تدعو له وهي مستندة على كتفه
- روح يا ابني ربنا ينولك اللي بتريده
يصل القطار، ويصل صاحبنا إلى ما يريد، بعدما انضم إلى فريق التمثيل في هيئة السكة الحديد، ليكتشفه بعدها المخرج فؤاد الجزايرلي ليقدمه في فيلم الأبيض والأسود، قبل أن يلتقي إسماعيل ياسين، ليكونا الثنائي الكوميدي الأشهر في تاريخ السينما المصرية.
رحل رياض القصبجي في مثل هذا اليوم، واسرته لا تملك حتى قيمة مصاريف دفنه، ولكنه مازال يملك قلوب الملايين من عشاقه، على الرغم من أنه لم يؤدي بطولة واحدة....المجد لمن يعطي ولا ينتظر مقابلاً.

أرشيفي السينمائي : ربة التمثيل تضرب من جديد في ''المرأة الحديدية''

قاعدة علمية عالمية تقول : من أجل صناعة فيلم جيد، يجب أن تكون كل عناصره - سيناريو، إخراج، تمثيل، مونتاج، ديكور، إنتاج، إلخ إلخ - جيدة، وسقوط أحد تلك العناصر وضعفه يؤدي إلى تأثر العمل، وكلما زادت العناصر الضعيفة كلما قل مستوى الفيلم، ولكن ميريل ستريب كعادتها تضرب بكل النظريات عرض الحائط، وتقدم دوراً لا ينسى في فيلم المرأة الحديدية، وعلى الرغم من الضعف الواضح للسيناريو، والخط الدرامي المفكك بفعل عشرات الـ"فلاش باك"، والخلط بين الجانب الإنساني والسياسي دون توضيح، والإهتمام بفترة ما بعد إختفاء مارجريت تاتشر صاحبة السيرة الذاتية في الفيلم من الساحة السياسية، دون أثر واضح لدى المشاهد، وتواضع جميع الأدوار المحيطة بالمرأة الحديدية، حتى دور زوجها صاحب البعد الإنساني المهم في القصة.
وعلى الرغم من أن مستوى الإخراج جيد ولكن غير مبهر، ووجود مشاكل واضحة في الملابس والمونتاج، إلا أن المشاهد يبقى مبهوراً بأداء ميريل "ربة التمثيل"، ليتذكر محبو وعشاق كرة القدم النجم الفذ دييجو مارادونا حين أحرز كأس العالم 1986 في المكسيك بمفرده، مع فريق متواضع لا يستحق التأهل من الأساس للنهائيات، في معجزة قلما تتكررز
وفي معجزة ميريل الخاصة، صنعت فيلماً وحدها، بقدرة مرعبة على التقمص، الذي يصل إلى حد تطابق الصوت تماماً مع شخصية سياسية معروفة اختفت من الساحة في بداية التسعينيات - ليتأكد متابعو سلسلة روايات رجل المستحيل للكاتب نبيل فاروق، أن بطلهم أدهم صبري كان يستطيع بالفعل تغيير صوته - وتعبيرات الوجه والإنفعالات، وطريقة التحدث وطريقة المشي، حتى نظرات الفرح والإنكسار.
المرأة الحديدية فيلم ممل بطيء الإيقاع، يمل منه المشاهد، لكنه بالتأكيد يعجز عن منع نفسه من الإنبهار برؤية مارجريت تاتشر تعود للحياة من جديد على الشاشة كإحدى معجزات ميريل ستريب التي لا تنتهي.

ملحوظة :يحذر على الناقد الإنبهار بما ينتقده، كي يستطيع أن يكون محايداً في نقده، ولكن بما أن ميريل ستريب قادرة على أن تكسر كل القواعد، دعوني أكسر من آجلها تلك القاعدة هذه المرة...... عذرا إنها ميريل!

أرشيفي السينمائي :''وأنا عاملة نفسي نايمة'' ..... رحيل سهير الباروني الذي لا نتمناه

غادرت وجه مصر أحد إبتساماتها العريضة، لتدفن في أحشائها، غيب الموت سهير الباروني أحد أهم الكوميديانات في تاريخ مصر الفني، لتعود إلى ثرى وطن أضحكته يوماً وأدخلت البهجة على قلبه، رحلت صاحبة الأغنية الكوميديا الشهيرة "وأنا عاملة نفسي نايمة" وعشاق فنها يتمنون أن تكون فعلاً "عاملة نفسها نايمة" ولم تغادرنا إلى جوار رب العالمين.
بدأت سهير حياتها على خشبة مسرح الريحاني في أدوار صغيرة، قبل أن تشارك ثلاثي أضواء المسرح الضيف أحمد وجورج سيدهم وسمير غانم مسرحياتهم وتكشف عن خليفة محتملة للفنانة الكبيرة زينات صدقي، وتأتي الرياح على عكس ما تشتهي السفن وبدلاً من أن تحتل الباروني الصف الأول على الأقل في الأفلام الكوميدية، فضل صناع هذه الأفلام الإعتماد على الفنانات صاحبات الملامح الجميلة والمثيرة طمعاً في المشاركة في الجذب الجماهيري مع وجود الفنان الكوميدي في دور البطولة، ولكن المدهش أن سهير لم تتراجع فقط للدور الثاني كما فعلت مرشدتها زينات صدقي بل سقطت في أدوار هامشية صغيرة .
بدأت حياتها الفنية عام 1955عندما شاركت فى فيلم "أيام وليالى" مع عبدالحليم حافظ، وبعدها شاركت فى العديد من الأعمال السينمائية مع عدد كبير من النجوم، ومن هذه الأفلام "عريس مراتى وبين القصرين و30يوم فى السجن، مرورا بأفلام "سمع هس، والجواز للجدعان"، حتى شاركت فى آخر عملين سينمائيين لها هما "فول الصين العظيم"  و"قصة الحى الشعبى".
ولكن كما هي طبيعة الحال دائماً تنزوي الاضواء، تقل مساحة الظهور حتى تتلاشى، وتبقى موهبتها حبيسة الروح تشكل إرهاقاً لإبتسامة حاولت أن تحتل الوجه لكنه آبي، لقلة طموح هذه الإبتسامة، ولقلة علاقاتها الفنية، وعدم إهتمامها سوى بغزل الضحك على ثوب الفن.
غادرت سهير الباروني في صمت في أيام مليئة بالأحداث، غادرت الباروني دون أن يشعر بها أحد، ودون أن يشيعها أحد، في علامة خاصة لكل المؤمنين بالعلامات، بأن البهجة تتسرب من جنبات الوطن ونحن عنها غافلون، وويل لمن يتجاهل العلامات، رحمة الله عليك يا سهير.

أرشيفي السينمائي : للإبداع وطن سكن فيه .... يسمى عبدالله غيث

 في نهاية مشوار كل فنان، يعاتب نفسه على بعض أدواره، ويندم على تقديمها متبرئاً، أو منكراً، أو حتى داعياً السبب للظروف المادية التي أجبرته على قبول هذه الأدوار، إلا القلة القليلة، التي تنجح حتى في بث الحياة في تلك الشخصيات الضعيفة الميتة رديئة الكتابة، وتضع بصمتها عليها، وهم من يطلقون عليهم الممثلين العباقرة.
وعبدالله غيث - رحمه الله -  بلا شك ممثل عبقري، على المسرح وحش كاسر، فارس لا يشق له غبار، يجعل من خشبة المسرح مغناطيساً لا يقهر يجذب الأرواح قبل العيون لمشاهدة كل هذا التمكن والأداء ، أما على الشاشة الصغيرة فكان أشبه بتلك العبارات الشهيرة الخالدة التي تبقى في ذهن القاريء بعد قراءة كتاب كبير، جمل مترابطة متماسكة تبقى في الذاكرة أبداً، وعلى  السينما إن لم يقدم عبدالله غيث سوى أفلام ثمن الحرية، أدهم الشرقاوي، الرسالة  فتكفيه ليكون أحد النجوم الخالدة في كلاسيكيات السينما العربية على الرغم من كونه ممثلا مسرحياً في الأساس، ويبقى خوف الممثل العالمي انتوني كوين من مقارنة أداءه بأداء نجمنا العربي في فيلم الرسالة بنسختيه العربية والإنجليزية، شهادة تفوق لموهبة نجم لم يحصل على حقه بعد على الرغم من حصوله على العديد من الجوائز منها جائزة أحسن ممثل في التلفزيون لأعوام 1963م، 1978م وحصل علي جائزة عن دوره في فيلم "ثمن الحرية" عام 1964م، كما حصل علي شهادة تقدير من الرئيس الراحل محمد أنور السادات عام 1976م، وفي عام 1983م حصل علي درع دولة الإمارات العربية المتحدة، وحصل أيضا علي جائزة عن دوره في مسرحية "الوزير العاشق".
عبدالله غيث المثل الأعلى لكل شاب تتشكل شخصيته من خلال أدهم الشرقاوي الثائر الحر الباحث عن حقوق الفقراء، هو نفسه ذلك الشرير "علوان" في مسلسل ذئاب الجبل، مقنع في كلاً منهما مبهر كما اعتاد دائماً، وعلى اللغة العربية الفصحى أن تقف دقيقة حداداً يوم مات على وفاة أكثر من أجادها على المستوى الفني على الإطلاق.

أرشيفي السينمائي : الدكتور شديد.... الفيلسوف الذي لا يعرفه أحد خاص

لم يكن إبراهيم باشا يعلم وهو عائد من حروبه في منطقة الأناضول، أن في جيشه من يحمل في جعبته لشعب مصر بدلاً من الإنتصارات، الكثير والكثير من السعادة والضحكات، حيث اصطحب معه الضابط عمر ذو الاصول التركية الذي تزوج من امرأة من الدقهلية وأنجب منها ولدين فرحات وإسماعيل، عمل فرحات مهندساً في الآثار وأنجب محمد الفيلسوف صاحب الضحكة الشهير بـ"الدكتور شديد".
توفى والده وعمره عامين، وحرصت والدته على تربيته، حفظ القرآن كاملاً وتمكن من تجويده، وفي المدرسة تعرف إلى زميله محمد عوض وتعلما سوياً فن الإلقاء والتمثيل الذي عشقه.
وعندما أراد الالتحاق بمعهد التمثيل بعد البكالوريا، نصحه الفنان الكبير حسين رياض أن يستكمل دراسته أولاً، فدرس الفلسفة، والتحق بفريق التمثيل في كلية الآداب ليتدرب على يد الفنان زكي طليمات، حتى تخرج وعمل بالتدريس.
وكانت النقلة الفنية في حياته عندما التحق بفرقة ساعة لقلبك الإذاعية التي تحولت بعد نجاحها إلى فرقة مسرحية، حين قرر مؤلف اسكتشات ساعة لقلبك، الكاتب عبدالفتاح السيد أن يبتكر شخصية الدكتور شديد، صاحب الذاكرة الضعيفة، لتلتصق وتتوحد بالفنان محمد فرحات عمر بقية حياته.
إلا أن الفيلسوف داخل الفنان قرر التمرد بعد وظيفة هيئة الإذاعة البريطانية فترك الفن وعمل على النقد والتعليق بين عامي 68 و77، وحصل خلالها على ماجستير في الفلسفة حول "طبيعة القانون العلمي" تحت اشراف الدكتور زكي نجيب محمود.
ثم عاد للعمل في المسلسلات وألف كتابا عن "فن المسرح" يدرس حتى الآن في معهد التمثيل.
                                               **********************
وفي  12 يوليو 1997رحل صاحب " ومالو يا اخويا ومالو" بعد أن ظل سنوات عمره الأخيرة مقيما في بنسيون في منطقة الزمالك يكتب مقالات سياسية للمجلات والجرائد.
وكأن دراسته للفلسفة واندماجه في التعليق السياسي كانا مؤشرين على زمن أتى بعد رحيله صارت فيه جملة "ومالوا يا اخويا ومالو" شعاراً، حتى قامت ثورة يناير، ليتحول المنهج الفلسفي ذاته إلى  يارب يا خويا يا رب ".

21‏/08‏/2012

مصلوب



مصلوب أنا على الطرقات...منشغل بإخفاء عورتي
يمر القوم هازئين...من تلك المساحة بين ركبتي وصرتي
وأنا على الصليب ...كل جريمتي
أنني يوماً صارحت حبيبتي
أن حاكمنا المؤمن يضاجع في خيالي "معزتي"
وأن شيوخ ملتي
والذين أخرجوني منها أراهم في شريعتي
ذباب على طبق الحاكم..أقتلهم بـ"منشتي"
وأن ما يدرسه أطفالي في المدرسة
ليس ما أنزل على محمد
ليس ديننا أبداً
وتلك كانت شكوتي
ومنذ أعلنوا قضيتي
هجرني الأحباب والأصحاب
كفروني أيضاً واقتحموا ضيعتي
نهبوها من فرط الإيمان واغتصبوا زوجتي
وتركوا أطفالي عرايا وقتلوا ابنتي
أحتفلوا بتطهير الأمة من نجس هامتي
علقوني على الصليب وانصرفوا يصلون
يحمدون الله على نهاية آفتى
وبقى الجاهلون يمرون ليلاً ونهاراً
يسخرون من عورتي
عذرا إخواني عذرا
تحملوني فما عاد في جعبتي
سوى أن اسبكم جميعا لتتمنوا موتتي
لعن الله قلوب بين افخاذكم
لعن الله أمة مثل أمتي.

17‏/08‏/2012

هاروت وماروت...أن تكون ملاكاً

حتى الملائكة طمعت في أن تكون بشرا
وما أخطأ هاروت وماروت وما ارتكبوا شرا
ما أروع أن تخطيء..أن ترتكب جرما
أن تضاجع كأساً من الخمر رأسك
أن تسرق
أن تقتل أحداً بفأسك
أن تصنع خيراً أو تفسد
أن تزهو بنجاحك، أو تدمن يأسك
****
أن تبقى إنساناً
لا ملاكاً بلا إرادة
تعبد الله وكأنها عادة
ففي الخطأ ألف ألف إستفادة
أن تكون إنسانا فأنت في أحسن تقويم
أن تكون ملاكاً فلا تشكو يوما من ضيم
لأنك لا تعرف الفارق
ما بين الحزن والسعادة
*****
هاروت عشق السير في الطرقات
مضاجعة فتيات ليل بغداد المارقات
مداواة الجرحى
تعذيب كل جامعي التبرعات
وفي نهاية المهلة عشق إنسية
وتزوجها وكفر
بعض الزواج من الموبقات
******
ماروت كان الأكثر دهشة
ارادة قوية وروحا هشة
أدمن قراءة كتب التاريخ
صارت هوايته
منع الجرحى من الصريخ
امتلك السلطة لفترة
صار طاغية
قتل كل معارضيه
ثم استدار إلى نهر دجلة
وبكى فصار نهرا
ماروت تاب ومات
لكن هيهات
*******
عش إنسان حرا
ولا تكن ملاكا
فالملائكية على الأرض
تعنى هلاكا