27‏/08‏/2012

أرشيفي السينمائي :''وأنا عاملة نفسي نايمة'' ..... رحيل سهير الباروني الذي لا نتمناه

غادرت وجه مصر أحد إبتساماتها العريضة، لتدفن في أحشائها، غيب الموت سهير الباروني أحد أهم الكوميديانات في تاريخ مصر الفني، لتعود إلى ثرى وطن أضحكته يوماً وأدخلت البهجة على قلبه، رحلت صاحبة الأغنية الكوميديا الشهيرة "وأنا عاملة نفسي نايمة" وعشاق فنها يتمنون أن تكون فعلاً "عاملة نفسها نايمة" ولم تغادرنا إلى جوار رب العالمين.
بدأت سهير حياتها على خشبة مسرح الريحاني في أدوار صغيرة، قبل أن تشارك ثلاثي أضواء المسرح الضيف أحمد وجورج سيدهم وسمير غانم مسرحياتهم وتكشف عن خليفة محتملة للفنانة الكبيرة زينات صدقي، وتأتي الرياح على عكس ما تشتهي السفن وبدلاً من أن تحتل الباروني الصف الأول على الأقل في الأفلام الكوميدية، فضل صناع هذه الأفلام الإعتماد على الفنانات صاحبات الملامح الجميلة والمثيرة طمعاً في المشاركة في الجذب الجماهيري مع وجود الفنان الكوميدي في دور البطولة، ولكن المدهش أن سهير لم تتراجع فقط للدور الثاني كما فعلت مرشدتها زينات صدقي بل سقطت في أدوار هامشية صغيرة .
بدأت حياتها الفنية عام 1955عندما شاركت فى فيلم "أيام وليالى" مع عبدالحليم حافظ، وبعدها شاركت فى العديد من الأعمال السينمائية مع عدد كبير من النجوم، ومن هذه الأفلام "عريس مراتى وبين القصرين و30يوم فى السجن، مرورا بأفلام "سمع هس، والجواز للجدعان"، حتى شاركت فى آخر عملين سينمائيين لها هما "فول الصين العظيم"  و"قصة الحى الشعبى".
ولكن كما هي طبيعة الحال دائماً تنزوي الاضواء، تقل مساحة الظهور حتى تتلاشى، وتبقى موهبتها حبيسة الروح تشكل إرهاقاً لإبتسامة حاولت أن تحتل الوجه لكنه آبي، لقلة طموح هذه الإبتسامة، ولقلة علاقاتها الفنية، وعدم إهتمامها سوى بغزل الضحك على ثوب الفن.
غادرت سهير الباروني في صمت في أيام مليئة بالأحداث، غادرت الباروني دون أن يشعر بها أحد، ودون أن يشيعها أحد، في علامة خاصة لكل المؤمنين بالعلامات، بأن البهجة تتسرب من جنبات الوطن ونحن عنها غافلون، وويل لمن يتجاهل العلامات، رحمة الله عليك يا سهير.

أرشيفي السينمائي : للإبداع وطن سكن فيه .... يسمى عبدالله غيث

 في نهاية مشوار كل فنان، يعاتب نفسه على بعض أدواره، ويندم على تقديمها متبرئاً، أو منكراً، أو حتى داعياً السبب للظروف المادية التي أجبرته على قبول هذه الأدوار، إلا القلة القليلة، التي تنجح حتى في بث الحياة في تلك الشخصيات الضعيفة الميتة رديئة الكتابة، وتضع بصمتها عليها، وهم من يطلقون عليهم الممثلين العباقرة.
وعبدالله غيث - رحمه الله -  بلا شك ممثل عبقري، على المسرح وحش كاسر، فارس لا يشق له غبار، يجعل من خشبة المسرح مغناطيساً لا يقهر يجذب الأرواح قبل العيون لمشاهدة كل هذا التمكن والأداء ، أما على الشاشة الصغيرة فكان أشبه بتلك العبارات الشهيرة الخالدة التي تبقى في ذهن القاريء بعد قراءة كتاب كبير، جمل مترابطة متماسكة تبقى في الذاكرة أبداً، وعلى  السينما إن لم يقدم عبدالله غيث سوى أفلام ثمن الحرية، أدهم الشرقاوي، الرسالة  فتكفيه ليكون أحد النجوم الخالدة في كلاسيكيات السينما العربية على الرغم من كونه ممثلا مسرحياً في الأساس، ويبقى خوف الممثل العالمي انتوني كوين من مقارنة أداءه بأداء نجمنا العربي في فيلم الرسالة بنسختيه العربية والإنجليزية، شهادة تفوق لموهبة نجم لم يحصل على حقه بعد على الرغم من حصوله على العديد من الجوائز منها جائزة أحسن ممثل في التلفزيون لأعوام 1963م، 1978م وحصل علي جائزة عن دوره في فيلم "ثمن الحرية" عام 1964م، كما حصل علي شهادة تقدير من الرئيس الراحل محمد أنور السادات عام 1976م، وفي عام 1983م حصل علي درع دولة الإمارات العربية المتحدة، وحصل أيضا علي جائزة عن دوره في مسرحية "الوزير العاشق".
عبدالله غيث المثل الأعلى لكل شاب تتشكل شخصيته من خلال أدهم الشرقاوي الثائر الحر الباحث عن حقوق الفقراء، هو نفسه ذلك الشرير "علوان" في مسلسل ذئاب الجبل، مقنع في كلاً منهما مبهر كما اعتاد دائماً، وعلى اللغة العربية الفصحى أن تقف دقيقة حداداً يوم مات على وفاة أكثر من أجادها على المستوى الفني على الإطلاق.

أرشيفي السينمائي : الدكتور شديد.... الفيلسوف الذي لا يعرفه أحد خاص

لم يكن إبراهيم باشا يعلم وهو عائد من حروبه في منطقة الأناضول، أن في جيشه من يحمل في جعبته لشعب مصر بدلاً من الإنتصارات، الكثير والكثير من السعادة والضحكات، حيث اصطحب معه الضابط عمر ذو الاصول التركية الذي تزوج من امرأة من الدقهلية وأنجب منها ولدين فرحات وإسماعيل، عمل فرحات مهندساً في الآثار وأنجب محمد الفيلسوف صاحب الضحكة الشهير بـ"الدكتور شديد".
توفى والده وعمره عامين، وحرصت والدته على تربيته، حفظ القرآن كاملاً وتمكن من تجويده، وفي المدرسة تعرف إلى زميله محمد عوض وتعلما سوياً فن الإلقاء والتمثيل الذي عشقه.
وعندما أراد الالتحاق بمعهد التمثيل بعد البكالوريا، نصحه الفنان الكبير حسين رياض أن يستكمل دراسته أولاً، فدرس الفلسفة، والتحق بفريق التمثيل في كلية الآداب ليتدرب على يد الفنان زكي طليمات، حتى تخرج وعمل بالتدريس.
وكانت النقلة الفنية في حياته عندما التحق بفرقة ساعة لقلبك الإذاعية التي تحولت بعد نجاحها إلى فرقة مسرحية، حين قرر مؤلف اسكتشات ساعة لقلبك، الكاتب عبدالفتاح السيد أن يبتكر شخصية الدكتور شديد، صاحب الذاكرة الضعيفة، لتلتصق وتتوحد بالفنان محمد فرحات عمر بقية حياته.
إلا أن الفيلسوف داخل الفنان قرر التمرد بعد وظيفة هيئة الإذاعة البريطانية فترك الفن وعمل على النقد والتعليق بين عامي 68 و77، وحصل خلالها على ماجستير في الفلسفة حول "طبيعة القانون العلمي" تحت اشراف الدكتور زكي نجيب محمود.
ثم عاد للعمل في المسلسلات وألف كتابا عن "فن المسرح" يدرس حتى الآن في معهد التمثيل.
                                               **********************
وفي  12 يوليو 1997رحل صاحب " ومالو يا اخويا ومالو" بعد أن ظل سنوات عمره الأخيرة مقيما في بنسيون في منطقة الزمالك يكتب مقالات سياسية للمجلات والجرائد.
وكأن دراسته للفلسفة واندماجه في التعليق السياسي كانا مؤشرين على زمن أتى بعد رحيله صارت فيه جملة "ومالوا يا اخويا ومالو" شعاراً، حتى قامت ثورة يناير، ليتحول المنهج الفلسفي ذاته إلى  يارب يا خويا يا رب ".

21‏/08‏/2012

مصلوب



مصلوب أنا على الطرقات...منشغل بإخفاء عورتي
يمر القوم هازئين...من تلك المساحة بين ركبتي وصرتي
وأنا على الصليب ...كل جريمتي
أنني يوماً صارحت حبيبتي
أن حاكمنا المؤمن يضاجع في خيالي "معزتي"
وأن شيوخ ملتي
والذين أخرجوني منها أراهم في شريعتي
ذباب على طبق الحاكم..أقتلهم بـ"منشتي"
وأن ما يدرسه أطفالي في المدرسة
ليس ما أنزل على محمد
ليس ديننا أبداً
وتلك كانت شكوتي
ومنذ أعلنوا قضيتي
هجرني الأحباب والأصحاب
كفروني أيضاً واقتحموا ضيعتي
نهبوها من فرط الإيمان واغتصبوا زوجتي
وتركوا أطفالي عرايا وقتلوا ابنتي
أحتفلوا بتطهير الأمة من نجس هامتي
علقوني على الصليب وانصرفوا يصلون
يحمدون الله على نهاية آفتى
وبقى الجاهلون يمرون ليلاً ونهاراً
يسخرون من عورتي
عذرا إخواني عذرا
تحملوني فما عاد في جعبتي
سوى أن اسبكم جميعا لتتمنوا موتتي
لعن الله قلوب بين افخاذكم
لعن الله أمة مثل أمتي.

17‏/08‏/2012

هاروت وماروت...أن تكون ملاكاً

حتى الملائكة طمعت في أن تكون بشرا
وما أخطأ هاروت وماروت وما ارتكبوا شرا
ما أروع أن تخطيء..أن ترتكب جرما
أن تضاجع كأساً من الخمر رأسك
أن تسرق
أن تقتل أحداً بفأسك
أن تصنع خيراً أو تفسد
أن تزهو بنجاحك، أو تدمن يأسك
****
أن تبقى إنساناً
لا ملاكاً بلا إرادة
تعبد الله وكأنها عادة
ففي الخطأ ألف ألف إستفادة
أن تكون إنسانا فأنت في أحسن تقويم
أن تكون ملاكاً فلا تشكو يوما من ضيم
لأنك لا تعرف الفارق
ما بين الحزن والسعادة
*****
هاروت عشق السير في الطرقات
مضاجعة فتيات ليل بغداد المارقات
مداواة الجرحى
تعذيب كل جامعي التبرعات
وفي نهاية المهلة عشق إنسية
وتزوجها وكفر
بعض الزواج من الموبقات
******
ماروت كان الأكثر دهشة
ارادة قوية وروحا هشة
أدمن قراءة كتب التاريخ
صارت هوايته
منع الجرحى من الصريخ
امتلك السلطة لفترة
صار طاغية
قتل كل معارضيه
ثم استدار إلى نهر دجلة
وبكى فصار نهرا
ماروت تاب ومات
لكن هيهات
*******
عش إنسان حرا
ولا تكن ملاكا
فالملائكية على الأرض
تعنى هلاكا

19‏/06‏/2012

الصوت "عورة"


تأملت في صمت سقف غرفتها الأبيض، وسرحت في أفكارها، دون أن تتحرك، حاولت إستدعاء النوم عدة مرات ولكنها فشلت، نامت على جانبها الأيمن إستعطافاً لغفوة قصيرة أبت أن تأتي، درات على جانبها الأيسر دون جدوى، تعرف أن الخوف والنوم عدوين لا يجتمعان، وهي خائفة، تنتظر الغد والرعب يملأها .
تستلم عملها غداً في مرسة للصم والبكم، أنهت دراستها في الخارج وعادت إلى مصر من أجل أن تعمل فيها كما وعدت والدها على فراش مرضه، تعلمت مبادي ءلغة الصم والبكم بعد أن أنهت دراستها كمحلل نفسية في الولايات المتحدة، لكنها فضلت العودة للعمل معهم، تنفيذاً لوصية غال جاءها يوماً في المنام، تساعدهم في تجاوز أزمة إعاقتهم.
تعلم أنها خجولة ويخجلها للغاية أن تكون قادرة على الحديث بين العشرات الذين لم يتمكنوا من التعبير عن أنفسهم، ظلت لمدة يومين مضيا ترفض إستعمال الهاتف خجلاً، ابتسمت عندما تذكرت ذلك الشيخ الغاضب الذي صرخ في التلفاز منذ أيام "صوت المرأة عورة"، ثم غابت الإبتسامة هي فعلاً تشعر أن صوتها سيكون عورة وسط هؤلاء المحرومين من الصوت.
*****
في الصباح وداخل الغرفة المعدة لتواجدها مع أول مجموعة، والتي تكونت من 12 طفلاً لم تتجاوز أعمارهم الخامسة عشر، وقفت "نور" مذهولة عاجزة عن التعبير، هم يتقافزون ويكلمون بعضهم البعض بلغة الإشارة وهمس العيون، يبتسمون ويمارسون شقاوتهم الطفولية بمرح زائد، يشيرون إلى بعضهم البعض بسرعة تعجز عن تتبعها، وهي عاجزة عن فهمهم بشكل كامل....أدركت "نور" للمرة الأولى أن صوتها عاجز وأنها بينهم ذات إحتياج خاص.

30‏/03‏/2012

3 معشوقات .....

أشار إلى يوم ولدت، وقال هذا رجلاً تحبه النساء....ثم رحل، اصطحبتني أمي صغيراً إلى دجال يدعي الورع، يؤم المصلين في زاوية صغيرة بلا وضوء على الأرجح، فأشار إلى هو الآخر وقال : في حياته 10 نساء، يشكلون يوماً ماضيه وحاضره ومستقبله.. لن يعيش طويلاً ، شهاب يسطع قبل أن يرحل.
تكتم أمي شهقتها، لتخفي حلما راودها قبل ميلادي بأيام، عن شهاب يخرج من بطنها، فينير الدنيا، وما يلبث أن ينطفأ.
أحدثكم اليوم عن 3 منهن، 3 نساء تركن آثراً لا ينمحي في حياتي، لم يذهبن ولن يذهبن، لأنهن بالمناسبة أخواتي.

الأولى : أمي الصغرى : أمل
لم يسبق للقلوب السير على قدمين، إلا مع ولادتها، لم تتعلم المصارحة الطيبة إلا مع تعلمها النطق، لم يأخذ الصدق صيغته الأنثوية الكاملة إلا مع بلوغها، إمرأة قدت من نبض، ترى داخلها وهي تكلمك، سريعة الغضب كطفل لم يتعدى عامه الأول، سريعة الرضا كنبي علمه ربه.... جاء ترتيبها الأول بيننا نحن الأخوة، فأستئثرت فيما يبدو على جزءً من روح الأم، وصاغته الأيام على شاكلتها...
وهبني الله أماً ثانية، أرى فيها "أمينة" الصغرى، أتحسس قلبي العاشق للأم، أطمئنه على وجود الأمل في "أمل"..... اختى الكبرى شكلت ماضياً بطعم متانة الاخوة، وحاضراً بطعم تحمل الأيام، ومستقبلاً في حنان الأم.

الثانية : معلمتي : أماني
كان والدي فناناً ضل الطريق، يكتب الشعر والقصة، ويجيد الرسم، والخطابة، لكنه ترك كل هذا وانشغل بالطبيعة "الفيزياء"، وصار عالماً فيها، أهداها عمره وأفنى نفسه بين نظرياتها، وكذلك كانت الوسطى ... أماني أختي الوسطى، تجيد الرسم، تملك صوتاً ساحراً في الغناء، تملك روحاً خلقت من "خفة دم" فطرية، عشقت الاب الذي أخذت جزء من روحه بدورها، فضلت الطريق لتصير طبيبة، تعالج عيون الناس مما ألم بها.
أهدتني كتابي الأول، جالستني لساعات في الغربة تعلمني كيف ألعب، كشفت لذلك الصغير الذي كنته، كيفية صناعة عالمه الخاص، كيف تستطيع أن تكون سعيداً بغض النظر عما يحيطك، أسمعتني أغنيتي الأولى، سجلت معي على شرائط الكاسيت القديمة، ساعات من الضحك المتواصل، كمذيعة تستقبل ضيفاً، علمتني معنى الضحكة... لذلك عندما تضحك أماني حتى الأن... يرتجف قلبي مستعيداً كل حنين الطفولة، أعود للحظات ذلك الطفل الشقي المبتسم المبهور بأخت هي أروع ما كان في ماضيه... وما تزال.

الثالثة : صديقتي : إيناس

حدث ولا حرج، فعندما أتحدث عن "نوسة" تحديداً، فلن اصمت، تللك الأخت التي صارت صديقة على آثر عضة بطن لا تنسى، والتي على يديها خطوت أول خطواتي في العالم الخارجي، وخضت بها خارج المنزل متشبثاً بيديها من المجهول، صديقة ليالي السمر ولعب "الأولى" في صيفيات القرية، و"بولات" الإستميشن وكاتمة أسرار المراهقة، وصاحبة أحلى عشاء يمكنك تناوله في التاريخ، خاصة أمام "مسلسل الزيني بركات"، في ليالي القاهرة الباردة، أول من اصطحبني في رحلة، وأول من اصطحبني لحفلة موسيقية، أول من اشترى ألبوماً غنائياً وجلس ليسمعني إياه، أول من تسمع ما يدق به قلبي حتى قبل أن أسمعه أنا....
أول من علمني الثورة، وأن لا اسكت على حقي ابداً، كنت في طفولتي أراها كأبطال الاساطير التي اقرأها ويحكونها لي، صاحبة حق لا تصمت....وإن صمتت تكلم الحق.
إيناس، ذلك "الونس" الدائم في حياتي، منحة من الرب قلما اشكره عليها، بحكم الإعتياد، وحان الوقت أن أخبرها بذلك... "نوسة" أنا بحبك قوي.

18‏/03‏/2012

حدوتة الفراشة

الصورة لأميرة الفراشات الصديقة "منى سيف"

كان ياما كان في سالف العصر والآوان فراشة جميلة دايماً حزينة، كل يوم الصبح تبكي مع ندى السما، تشتكي لأول وردة تقابلها أنها خلاص مبقتش جميلة، أن ألوانها اختفت وانها بهتت، وان الدنيا كلها بقت عديمة الألوان، الزهرة ترد مستغربة
- ازاي يا فراشة الدينا ملونة، وانتي جميلة
تغضب الفراشة وتصرخ بصوت عالي وهي سايبة الوردة وماشية
- ازاي يعني أنا بكدب عليكي.
يوم بعد يوم خاصمت الزهور كلها، بعد ما كانت خاصمت الفراشات أصحابها، واتحولت الدموع لطقس يومي، شبه الصلاة، شبه التنفس، لحد يوم كانت السما فيه مليان سحاب، ونزل مطر كتير، استخبت الشمس خافت تتطفي، لحد ما المطر هدي وابتدت تحاول تشيل بطانيتها وتطلع، وبمجرد ما بعتت أول شعاع نور ليها على الأرض اتولد قوس قزح، اتولد في نفس اللحظة اللي كانت الفراشة معدية فيه.
خدها في حضنه ، حاول يلعب معاها، امكتشف انها مصابة بعمى ألوان، بيمنعها تشوف الألوان على حقيقتها، ابتدى في صبر يصاحبها على الألوان.
قالها:
- عايزة تشوفي الأحمر اغضبي وشوفيه جوه روحك، عايزة تشوفي الأزرق احزني وانتي تشوفيه جوه نفسك، عايزة تصاحبي الأصفر حسيه وانتي عيانة، عايزة تعرفي الأخضر شمي ريحة الأرض بعد المطر، عايزة تتنفسي الأبيض حبي، حبي بجد.
الفراشة اتبسطت قوي بالوصفة دي جربتها قوام وجابت نتيجة، لكن بعد أيام لما اتبخر قوس قزح، وقبل ما يرجع تاني في يوم مطر تاني كانت اكتئبت من جديد ومقدرتش من كتر حزنها تطبق نظريته عن الألوان.
ولما تولد من جديد رفضت حتى انها تشوفه قوس قزح، قالت لنفسها إنه مجرد تعبان بيزحف على الأرض، ميستحقش حتى تلعب معاه، نداها مرة واتنين وتلاتة، ولما صعب على السما قالتله دي فكراك تعبان.
قرر فعلا يبقى تعبان، بس تعبان بيعرف يطير، وشافته جنبها في السما تعبان صحيح بس طاير، استغربت قوي واندهشت وسألت نفسها سؤال واحد
ياترى ده تعبان ولا قوس قزح حبيبي
وفي انتظار إجابة الفراشة الحيرانة توتة توتة خلصت الحدوتة

05‏/03‏/2012

رسالة خاصة إلى صديق مغترب

الغربـــة مُرة ... بتتوجع ليها القلوب
تدوب فى حلم الوطن
تفضل تدوب
تتمنى لمسة من ترابه
تمشى فى دروبه
كل الدروب

مكالمة جايز تلهمك
وتأمنك يا ساكن البلد البعيد
أهلك هنا فى أرضنا
مستنين يوم رجوعك
ده حيبقى عيد

أمك تزغرد ... لحد السما
جارك يشيل شنطتك
و ألف ضيف يتباركوا بخطوتك
بينما
البيت سعيد


في دفا الأم تستطعم كل المكان
بوسة إيديها تلونك لون الحنان
تفهم في ضمة أخ إيه معنى الآمان
يصير الوطن 100 متر مربع
هما كل مساحة شقة أبوك
تلعن الغربة في لحظة جنان

كام خروجة مع اصحاب الشقاوة والطفولة
كام زيارة لبيت عروسة،
مرفوضة كانت أو مقبولة
كم جنيه حتبعتره .. علشان تقول إنك سعيد
إنك يا واد تمام، والغربة خلتك إنسان جديد
ولا انت لسه مصدقك.. ...معقولة

كله يبان يا تعيس يوم السفر
لما الدموع تملا الشنط بدل الهدوم
لما وش أمك رؤيته تاني تبقى في إيد القدر
لما تسكن جفونها بدال العيون  كل الهموم

وإنك هناك لما وطنك يوحشك دور عليه عالنت
اسكن في خيالك وطن، أنت اللي بيه آمنت
شوية صور وصوت من ميكروفون
وعيون زايغة في الكاميرا
عاملة قال بتبتسم لباقي العيون
وإن يوم ندمت
أفتكر يا فالح بس
وأنت بتقبض راتبك أول كل شهر
وفي كل يوم
إنك بدلت الوطن والبشر
بحاجات كتير مالهاش لزوم

08‏/02‏/2012

أنـــــــــــس

برودة تتسلل إلى كل أطرافي، قدماي تعصاني للمرة الأولى، أجبرها على حملي ونقلي إلى محطة القطار، يتكلم حولي الكثيرون... لا أسمعهم، طنين رهيب يملأ أذناي... يشيرون إلى، أتبع إشارتهم دون وعي، وتلك اليد التي تعتصر قلبي تزيد من إنقباضها، فتتسرب روحي بهدوء من جسدي.
تخور قواي، أسقط فوق رصيف المحطة، يسرع البعض في معاونتي على الجلوس، ينتفض الجسد كلما ارتفع صفير قطار عائد أو ذاهب الذي صرت منفصلاً عنه منذ سمعت خبر وفاة صغيري صاحب الـ14 عاماً في ستاد بورسعيد .
أتوه بين دقات ساعة المحطة، ويتوقف الزمن تماماً لأعود إلى يوم ميلاده، وهو يستقبل تكبيراتي في أذنه، تعاودني أول إبتساماته، وذلك اليوم الأول في الدراسة حين بكى عندما تركته، أحاول أن أتحاشى ذكرى إصطحابي له لأول مباراة، تتلاحق الأنفاس وكأن الروح تعافر للبقاء في الجسد، تصمت الأصوات من حولي ولا أسمع إلا كلمة واحدة : أبنك مات مات مات مات.
مات.
يتوقف القطار ويقترب مني زملائه الناجون من الكارثة، أتعلق بأولهم وأسأله : تعرف أنس أكل سندوتشاته قبل ما يموت ولا لأ؟